باع دراجته النارية ليشتري قلبه
الذين يمرضون لا يسألون "هل سننجو" بل "هل نملك ثمن النجاة"
باع يامن دراجته النارية ليشتري قلبه!، سلّم المفاتيح، قبض 5 ملايين ليرة و200 ألف ليرة، وعاد إلى منزله مشياً، كمن يتدرب على فقدان أشياء أخرى قد يضطر للتخلي عنها تحت إلحاح الحاجة مستقبلاً.
سناك سوري-رحاب تامر
تلك الليلة، كان الألم قد بدأ مبكراً عند الثامنة مساء، ضغط بيده على صدره محاولاً تهدئة وجع يتسع بلا استئذان، قال لزوجته إنه تعب عابر، لكن الخدر في يده وملامح وجهه المتعب كان أبلغ من كلماته.
في الصيدلية، لم يجلس بل اتكأ على الطاولة الزجاجية، شاحب الوجه، يستمع إلى جملة واحدة لم يكن يريد سماعها: «عالمشفى فوراً»، خرج رافضاً الفكرة لم يكن ينكر الخطر، بل كان يعرف ثمن الاعتراف به.
عند الحادية عشرة ليلاً، لم يعد الألم قابلاً للتجاهل، صدره يضيق أنفاسه قصيرة، والليل أطول من طاقته، في المشفى الحكومي، تمدد على سرير معدني بارد، الضوء الأبيض فوق رأسه قاس، ورائحة المعقم تملأ المكان، أعطوه أدوية وقالوا انتظر الصباح.
بلغت كلفة قثطرة قلبية وغالباً شبكة، بمركز القلبية الحكومي 14 مليون، وفي مشافي الحكومة بالمحافظة القريبة بلغت 12 مليون
في الصباح، قال الطبيب كلماته بهدوء، القلب يحتاج تدخلاً عاجلاً، قثطرة وغالباً شبكة، يامن سأل عن السعر قبل سؤاله عن المخاطر، وحين سمع رقم 12 مليون نهض وفرّ هارباً.
داخل البيت المستأجر، جلست زوجته أمام ورقة صغيرة، تحسب وتعيد الحساب، راتبها يذهب للإيجار، يوميته كعامل في مغسلة سيارات بالكاد تطعمهم، طفلهم، سبع سنوات، كان يخربش على الورق، يراقب التوتر ويحاول فهم ما يجري وهو يعرض خربشاته منتظراً نيل الكلمات التي اعتادها “برافو، أحسنت”، لم يسمعها هذه المرة.
اتصالات الاستدانة لم تثمر كثيراً، الجميع متعب، الجميع مثقل، الجميع لا يملك أكثر من قوت يومه إن امتلكه، بحثوا عن مشفى أقل كلفة، كأنهم يبحثون عن قلب يقبل الخصم!
في بلد يعيش 90% من سكانه تحت خط الفقر وفق تقارير أممية، بلغت الكلفة بمركز القلبية الحكومي 14 مليون، وفي مشافي الحكومة بالمحافظة القريبة بلغت 12 مليون، وفي المشافي الحكومية واحدة 13 مليون والأخرى 9 ملايين، والمشافي الخاصة كان أقل رقم 16 مليون، فوقع الخيار على “مشفى الـ9 مليون” وتبقّى تأمين المال.
بوقت سابق من عام 2025، قال مدير مشفى حلب الجامعي، “بكري صالح دبلوني“، إن المشفى بات مأجوراً بنسبة 40%، وفي عموم سوريا لم تعد المشافي الحكومية مجانية، خصوصاً للأمراض التي تتطلب أدوات خارجية مثل الشبكة القلبية ومستلزمات العمليات الجراحية للكسور الكبيرة.
الدراجة النارية كانت متكئة في الزاوية، وسيلته إلى العمل، وربما آخر ما يملكه، باعها دون جدال، لم يقل شيئاً حين عاد بدونها.

بعد أسبوع من انتظار تأمين المال الذي انتهى ببيع الدراجة النارية، وتأمين 2 مليون ليرة من جمعية شهرية أجرتها الزوجة مع أصدقائها في العمل وقبضتها مباشرة، وتبرع وصل إلى نحو 2 ملايين ليرة ونصف، دخل يامن غرفة العمليات، خرج منها أخف قثطرة فقط بكلفة 2 مليون و400ألف ليرة، لم يحتاج للشبكة، اطمأن على النقود المتبقية قبل قلبه ثم غطّ في نوم عميق ينشد الراحة.
لكن الراحة مكلفة أيضاً، شهر كامل بلا عمل مجهد كما طلب الطبيب منه، في عرف يامن هذا يعني شهر كامل بلا دخل، بلا طعام، كانت راحة لجسده لا قلبه المتخم بالفقر والعوز.
هذه القصة حدثت في كانون الثاني الفائت ولم يذكر اسم المكان عمداً، لأن يامن يمثل غالبية السوريين، الذين حين يمرضون لا يسألون “هل سننجو”، بل “هل نملك ثمن النجاة”؟!.








