
في كثير من البيوت، لا يبدأ النقاش بسؤال “ما رأيكم؟”، بل بجملة أقصر وأكثر حسماً “هيك رح يكون الأمر”، فالقرار غالباً ما يتخذ من طرف واحد هو الأب، بينما يطلب من الآخرين مثل الأم والأبناء التكيف مع النتيجة، المثال ذاته يمكن أن ينسحب على المشاركة بصنع القرار داخل الدولة، المسؤولون يتخذون القرار والشعب يجب أن يتكيف!.
سناك سوري – رحاب تامر
داخل الأسرة قد يتعلق القرار بأمر بسيط اختيار مدرسة، أو تحديد طريقة إنفاق المال، أو حتى السماح لأحد الأبناء بمتابعة دراسة أو عمل معين. وفي هذه الحالات، لا يكون النقاش هو الأساس، بل السلطة فالأب يملك القرار لأنه ينظر إليه بوصفه صاحب الكلمة الأخيرة داخل الأسرة.
لكن هذا المثال الصغير داخل البيت يساعد على فهم فكرة أكبر بكثير المشاركة في صنع القرار.
كما لا يفترض بالأب أن يقرر داخل المنزل قراراً مالياً كبيراً من دون التشاور مع بقية أفراد الأسرة والبحث عن البدائل، يفترض بالدولة أيضاً أن تشرح خياراتها وتستمع إلى آراء المجتمع قبل اتخاذ قرارات تمس حياة الملايين
عندما يصبح القرار فردياً
في الأسرة التي يتخذ فيها شخص واحد القرارات، قد تسير الأمور أحيانا بسرعة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن القرار المتخذ هو الأفضل للجميع، فغياب النقاش يعني أن التجارب والاحتياجات المختلفة لأفراد الأسرة لا تجد طريقها إلى القرار النهائي.
الأم قد ترى جانباً لا يراه الأب، والابن أو الابنة قد يعيشان واقعاً مختلفاً تماماً، لكن عندما يغيب الحوار، يغيب هذا التنوع في الرؤية، والأمر نفسه يحدث بدرجة أكبر على مستوى الدولة.
السلطة السورية تقترب من نهاية التمكين… هل تبدأ مرحلة بناء الدولة؟
من البيت إلى الدولة
الدولة، مثل الأسرة، تدير شؤون مجتمع كامل “التعليم، والعمل، والاقتصاد، والخدمات..إلخ” لكن الفرق أن القرارات هنا لا تمس بضعة أفراد فقط، بل ملايين الناس.
عندما تتخذ هذه القرارات من دون مشاركة المجتمع أو الاستماع إلى مختلف الفئات، فإنها تشبه إلى حد بعيد البيت الذي يدار بقرار فردي واحد، لهذا ظهر مفهوم المشاركة في صنع القرار.
المشاركة في صنع القرار تعني ببساطة أن لا تكون القرارات العامة نتيجة رأي جهة واحدة فقط، بل ثمرة نقاش أوسع يشارك فيه المواطنون أو ممثلوهم
ولعل مثالاً قريباً من الحياة اليومية يوضح معنى المشاركة في صنع القرار، مثل القرارات الاقتصادية الكبيرة التي تمس حياة الناس مباشرة، كرفع تعرفة الكهرباء، فمثل هذه القرارات لا تؤثر فقط على فاتورة شهرية، بل تمتد آثارها إلى تفاصيل كثيرة في حياة الأسر من تكلفة تشغيل الأجهزة المنزلية، إلى أسعار السلع والخدمات التي ترتفع تبعا لارتفاع كلفة الطاقة.
في حالات كهذه، يفترض مفهوم المشاركة في صنع القرار أن لا يكون القرار مفاجئاً أو أحادياً، بل نتيجة نقاش أوسع مع المجتمع، كان يمكن أن يحدث ذلك عبر توضيح أسباب القرار للرأي العام، وفتح المجال للنقاش حول توقيته أو آليات تخفيف أثره على الفئات الأكثر تضرراً، فالمواطنون، مثل أفراد الأسرة، هم أول من سيتحمل تبعات القرار، ومن الطبيعي أن يكون لهم صوت في النقاش حوله.
فكما لا يفترض بالأب أن يقرر داخل المنزل قراراً مالياً كبيراً من دون التشاور مع بقية أفراد الأسرة والبحث عن البدائل، يفترض بالدولة أيضاً أن تشرح خياراتها وتستمع إلى آراء المجتمع قبل اتخاذ قرارات تمس حياة الملايين.
ما المقصود بالمشاركة؟
المشاركة في صنع القرار تعني ببساطة أن لا تكون القرارات العامة نتيجة رأي جهة واحدة فقط، بل ثمرة نقاش أوسع يشارك فيه المواطنون أو ممثلوهم.
قد يحدث ذلك عبر الانتخابات، أو المجالس المنتخبة، أو النقابات، أو النقاشات العامة حول السياسات، الفكرة الأساسية هي أن الناس الذين سيتأثرون بالقرار يجب أن يكون لهم صوت في صياغته.
المشاركة لا تعني أن الجميع سيقررون كل شيء بأنفسهم، لكنها تعني أن القرار لا يفرض من الأعلى فقط، بل يبنى من الأسفل على حوار وتبادل آراء.
ربما يبدو الانتقال من الأسرة إلى الدولة قفزة كبيرة، لكن الفكرة في جوهرها واحدة، فالبيت الذي يفسح المجال للحوار بين أفراده يخلق شعوراً بالمسؤولية المشتركة، بينما البيت الذي يقوم على القرار الفردي قد يفرض بفعل السلطة، لكنه يبقى محدود الرؤية، والأمر نفسه ينطبق على المجتمعات
لماذا التشاركية مهمة؟
لأن القرارات التي تصنع بمشاركة أوسع تكون عادة أقرب إلى الواقع، فكل فئة من المجتمع ترى جزء مختلف من الصورة، العامل يرى ما لا يراه صاحب العمل، والطالب يرى ما لا يراه المسؤول، والنساء قد يلاحظن ما لا ينتبه إليه الرجال.
وعندما تجتمع هذه الرؤى المختلفة، يصبح القرار أكثر توازناً.
ربما يبدو الانتقال من الأسرة إلى الدولة قفزة كبيرة، لكن الفكرة في جوهرها واحدة، فالبيت الذي يفسح المجال للحوار بين أفراده يخلق شعوراً بالمسؤولية المشتركة، بينما البيت الذي يقوم على القرار الفردي قد يفرض بفعل السلطة، لكنه يبقى محدود الرؤية، والأمر نفسه ينطبق على المجتمعات.
لذلك، فإن الحديث عن المشاركة في صنع القرار ليس مجرد مفهوم سياسي نظري، بل فكرة بسيطة يمكن فهمها من تجربة يومية يعيشها كثيرون الفرق بين بيت تفرض فيه القرارات وبيت يصنع فيه القرار بالحوار والمشاركة.








