أخر الأخبارالرئيسيةتقارير

اللامركزية الفوضوية والانتقائية في سوريا

محافظ يفرض الوصاية.. وآخر يمنع المكياج.. وشرطة رأي عام تقمع الناس

أصدر محافظ حماة قراراً يمنع فيه إقامة أي أنشطة عامة دون موافقة مسبقة منه، وهو قرار يعبر عن مستوى متقدم جداً من اللامركزية في سوريا والتي تتجاوز الإعلان الدستوري والقوانين والأنظمة، وتتخذ طابع اللامركزية الفوضوية والانتقائية في سوريا.

سناك سوري – بلال سليطين

يكاد يكون الحديث عن اللامركزية في سوريا بمثابة تهمة “الخيانة العظمى” فبمجرد أن تقول “لامركزية” ستنهال عليك الشتائم وعبارات التخوين من شرطة الرأي العام الذين يمثلون الصوت الأعلى في البلاد حالياً وهذه الشرطة تضم “نخب ومؤثري المرحلة”.

الهجوم يصل حداً من الطعن والضرب بجسدك وشخصك افتراضياً، حدّ منعك حتى من شرح مفهوم اللامركزية لمن لا يعرفه ويهاجمه عبثاً، فهؤلاء (الشرطة) معظمهم غريزياً ضد اللامركزية واستطاعوا إخراجها من سياقها والقول إنها انفصال وتقسيم وما إلى ذلك من تهم معلبة موروثة من فكر البعث ومركزيته الشديدة.

لكن في الكواليس بعيداً عن قمع شرطة الرأي العام، تمارس المحافظات اللامركزية الفوضوية والانتقائية على هوى المحافظين ودون حسيب أو رقيب، حتى شرطة الرأي العام غير مكترثة بالأمر لأنها حرفياً مشغولة برأيك وليست مشغولة لا بالواقع ولا بالرقابة ولا بحماية الدستور والقانون والفضاء العام.. مشغولة بالقمع.

لامركزية حماة..

في حماة يقرر المحافظ أن يمنع الأنشطة العامة دون موافقة مسبقة من مكتب الفعاليات، وهو تعميم واسع جداً يعني أنك لا تستطيع إقامة حفل تخرج لطلاب الجامعة ولا عرض مسرحي ولا سوق خيري ولا تنظيم توزيع مساعدات ولا وقفة احتجاجية ولا ورشة تدريبية حتى دون موافقة مسبقة من مكتب الفعالية بالأمانة العامة (تم إحداث المكتب مع القرار)، بالوقت عينه لا يوجد معيار محدد للموافقة فما هي الشروط لكي توافق الأمانة؟. الجواب غير واضح وانتقائي يعيدنا إلى حقبة الوصاية على الفضاء والنشاط العام.

وإذا عدنا للإعلان الدستوري الذي يحكم بيننا وبين محافظ حماة وقراراته فإن القرار يتعارض مع مواد باب الحقوق والحريات والذي اشترط إخضاعه للضوابط “الأمن الوطني، السلامة العامة، حماية النظام العام ومنع الجريمة، حماية الصحة والآداب العامة”، وهذا يعطي للمحافظ حق تحديد الأنشطة غير المخالفة للإعلان الدستوري وينتهي دوره عند توضيح ماهية هذا البند، ومن بعدها يأتي دور السلطة القضائية وليس التنفيذية والتي تتعامل مع هذه المخالفات.

وبالعودة للامركزية فإن هذا القرار تتميز به حماة عن باقي المحافظات السورية والتي تعتمد أساليب مختلفة في التعامل مع الأنشطة العامة.

الإدارة المحلية فوضى الحوكمة ومركزية القرار

لامركزية حمص.. الشؤون السياسية

بمقارنة الإجراء ذاته بين حمص وحماة، نجد أن محافظة حمص وضعت قيود أيضاً على ممارسة الأنشطة، ولكنها حددتها بشكل أضيق بكثير من تعميم حماة، فاشتراطات الموافقات المسبقة مرتبطة بأي فعل سياسي، بأي نشاط بالشارع، احتجاج، ماراتون..إلخ بالإضافة لورش تدريب المواطنة وقضايا الشأن العام وغيرها.

لكن في حمص وفق شهادات لنشطاء سياسيين ومدنيين فاعلين على الأرض فإن الموافقات تمنح من أمانة الشؤون السياسية في المحافظة، بينما كما تابعنا في حماه فإن الموافقات تمنح من مكتب الفعاليات في الأمانة العامة للمحافظة، وليس عبر أمانة الشؤون السياسية.

الشؤون السياسية المرجع الأعلى للنشاط السياسي والمدني

لامركزية اللاذقية… تدخل في عمق الحياة الشخصية

أصدر محافظ اللاذقية تعميماً منع فيه جميع الموظفات في المؤسسات العامة من وضع المكياج أثناء الدوام الرسمي، وهو تدخل مباشر بالحريات والحقوق الشخصية، وانتهاك لحرمة الفرد وحقوقه الخاصة، وفيه حالة وصاية مباشرة على المرأة وتحديد لما هو مسموح لها وماهو ممنوع عنها.

وعلى الرغم من كل الانتقادات التي رافقت هذا القرار ورفض الموظفات المعنيات له ومخالفته لباب الحريات في الإعلان الدستوري إلا أن المحافظة لم تتراجع عنه.

القرار أيضاً يتخذ صفة اللامركزية فهو لا يعبر عن نهج حكومي، وتختص فيه اللاذقية لوحدها دون باقي المحافظات التي لم نجد فيها هكذا تعاميم.

ذكورية وانتهاك للحريات .. انتقادات لقرار محافظة اللاذقية منع الموظفات من المكياج

في دير الزور.. لامركزية مراسيم الرئاسة

في دير الزور أصدر مسؤول له صفة وليس له إسم القرار رقم 47 والذي يتضمن تعيين رئيس لمجلس مدينة دير الزور. وتعيين رؤساء مجالس مدن المحافظات، وفق القانون الناظم حتى الآن في سوريا يتطلب مرسوماً من رئيس الجمهورية أو قراراً من وزير الإدارة المحلية بناء على تعديل قانوني أتاح تفويض الوزير بالتعيين، ولكنه في دير الزور صدر من مسؤول صفته الوظيفية “المكلف بتسيير الوحدات الإدارية”.

وهذا القرار الخاص بدير الزور يعبر عن نوع غير مألوف من اللامركزية يمكن تسميته بـ “لامركزية المراسيم الرئاسية” لدرجة يمكن لأحدهم أن يصدرها كقرار إداري روتيني يومي، ويتضمن القرار إلغاء كل القرارت الإدارية المخالفة لهذا الأمر.

الإدارة المحلية فوضى الحوكمة ومركزية القرار

لامركزية انتقائية في سوريا

هذه نماذج محدودة لقرارات تعبر عن اللامركزية ويمكننا استعراض مئات القرارات التي تمثل نهجاً لامركزياً انتقائياً من الحوكمة في سوريا يقره المحافظون بأنفسهم ويسيرون به، على الرغم من أن فيه انتهاكات للحقوق الفردية والحريات الخاصة، ومخالفات للإعلان الدستوري، وكذلك تجاوزاً للقوانين الناظمة والصلاحيات بحيث يصدر مكلف بمهام محلية بإصدار قرار هو من صلاحيات رئيس الدولة أو الوزير المفوض بها.

حقيقة الأمر أن سوريا تعتمد نهجاً أقرب للامركزية لكنه انتقائي ويتعارض مع جوهر اللامركزية القائم على أن تدير الناس شؤونها محلياً وتتخذ قراراتها محليا بشكل يراعي خصوصية المجتمعات ويسمح لها بمرونة حركة ويشعرها أنها جزء من السلطة وصانعة للقرار على المستوى المحلي، لكن ما يحدث حالياً أننا أمام لا مركزية محافظاتية لكنها تمركز السلطات بيد المحافظين وتمنحهم سلطات مطلقة فوق قانونية وفوق دستورية تشوه مفهوم اللامركزية وتنتهك الخصوصية وتسيء للإدارة والحوكمة.

كل هذا في وقت تغيب عن سوريا أي سلطة رقابية على العمل الحكومي والعام وتعمل فيه السلطة التنفيذية بحرية مطلقة دون رقابة أو مساءلة أو مراجعة بظل تأخير مستمر في تشكيل البرلمان، وحدها شرطة الرأي العام تمارس دوراً على المواطنين وتترك السلطة التنفيذية تبني مخالفاتها في سوريا الجديدة.

زر الذهاب إلى الأعلى