القوزلة بلا نار.. حين يصبح الشواء فعلاً فاضحاً
القوزلة.. حين كانت اللحمة تزور منازلنا مرة كل عام!

في كل شتاء، كان لعيد القوزلة طقس لا يخطئ موعده في الساحل السوري، نار مشتعلة في فناء البيت، رائحة لحم مشوي تتسلل من بين أصابع الريح الباردة، وضحكات أطفال يركضون حول المجمر بعيون لامعة.
سناك سوري-رحاب تامر
هذا العام، يمرّ عيد القوزلة (رأس السنة الشرقي) من دون دخان يعلو فوق الشرفات، ولا لحم فوق الجمر، غاب الطقس الذي كان يملأ الحارات بصوت الطقطقة، ويملأ القلوب بانتصار صغير على الفقر، حتى لو ليوم واحد في السنة.
حتى من استطاع شراء كيلو من اللحم فضّل هذا العام ألا يشوي، لأن النار هذا العام تخجل أن ترى. ففي قرى كثيرة، أصبح الشواء فعلاً فاضحاً، الجار يعرف أن جاره لن يستطيع إشعال نار مثله، وإن فعل، لن يجد ما يضعه عليها، فاختار كثيرون الصمت، فأكلوا داخل بيوتهم، أو اختصروا الاحتفال إلى مجرد ذكرى.
أما البعض ممن خسروا أحبائهم في مجازر آذار، فضلوا البكاء والانشغال بالذكريات السابقة، حين كانت ضحكاتهم تعلو على صوت طقطقات النيران، فهناك أسباب كثيرة للفرح لكن غياب من نحب يجعلها كلها فارغة.
كطفلة نشأت في بيت فقير، كانت القوزلة تعني شيئاً واحداً فقط، سوف نأكل لحمة مشوية، هذه اللحمة التي لم تكن تدخل منازلنا سوى من عيد إلى عيد، كانت لحمة “القوزلة” حدثاً استثنائياً، كنت أراقب والدي يشعل النار في الفناء، وأنتظر القطعة الأولى من على الجمر، كمن ينتظر جائزة العام.
لم نكن نفهم معنى الطقس ولا رمزيته، كنا نعرف فقط أن في هذا اليوم، سنأكل لحمة وكان هذا يكفي، اليوم أطفالنا لا يمتلكون مثل هذا الترف أبداً، اللحمة التي كانت شبه مستحيلة باتت اليوم مستحيلة لدى الغالبية.
لكن رغم ذلك، ثمة من أوقد شمعة بدلاً من نار، وطبخ العدس على المدفأة، وجلس مع أولاده يحكي عن “زمان القوزلة”، كمن يخبرهم عن زمن كان فيه الفقر أهون، وكان الفرح ممكناً ولو بلقمة مشوية.
يذكر أن أصول كلمة “القوزلة” تعود إلى الآشوريين وفق الباحث الدكتور “وديع بشور”، مضيفاً في تصريحات سابقة لصحيفة “الحرية” المحلية أن الكلمة مشتقة «من كلمة قوزلو وتعني إشعال النار، وكذلك في اللغة العربية وعلى ما يبدو كان الأقدمون يشعلون النار كنوع من الإعلان».







