أخر الأخبارالرئيسيةيوميات مواطن

الشفافية… خالك الذي سرق ورثة أمك

الشفافية.. قصة عائلية ملهمة للعمل الحكومي

بعد أيام من وفاة جد سليم دعا خاله أخواته النساء وقال لهن هذه حصصكم من ورثة المرحوم الموجودة في مدخرات خزانته، صرخت أخته “بس هيك” وبصقت الثانية في وجهه ودعت الثالثة عليه، وزوجة خاله انقضت عليهن بالكندرة انتقاماً لكرامة زوجها الذي تحول إلى “الشفافية خالك سرق ورثة أمك”.

سناك سوري – بلال سليطين

خال سليم كان قد دخل بمفرده إلى غرفة المرحوم (جد سليم) وتفقد محتويات الخزانة ووجد فيها 10 آلاف دولار وزعها على 4 كل واحد منهم حصل على 2500 دولار بالتساوي، بالإضافة لمقتنيات أخرى للجد وزعها بين أخواته بصفته الأكبر بينهن.

الخال ارتكب خطأين واضحين جوهريَين زعزعا الثقة بين الأطراف، الأول أنه قرر فتح الخزانة وحيداً دون حضور باقي أخوته، والثاني أنه لم يعلن لهن صراحة ماهي موجودات الخزانة، وإنما اتخذ قراره منفرداً وبشكل وصائي بتوزيع التركة رغم أنه قرار عادل.

ببساطة الشفافية لا يكفيها أن تكون نزيهاً فقط، بل أن تكون واضحاً وقابلاً للمساءله، وعلى مستوى الحوكمة وإدارة شؤون الدولة، يحتاج المواطنون أن يعرفوا ماذا فعلت وكيف فعلته ولماذا فعلته، بالإضافة لحق السؤال والمراجعة والمشاركة.

 

مقالات ذات صلة

افتقد الخال هنا “للشفافية” فالعملية لم تقم من أساسها على الوضوح ولم تكن تشاركية بين أفراد الأسرة، ورغم نزاهتها إلا أنها أدت بالمحصلة لمشكلة وفقدان ثقة نشأ على إثرها نزاع.

وبعيداً عن قصة أمك مع خالك يلي أخدلها ورثتها أو احتال عليها أو حتى ما كان يعترف على جدك بمرضه ووقت مات إجا حصد الورثة وطالع أمك من المولد بلا حمص مع إنها كانت ترعى جدك وتعتني فيه للحظة وفاته، لكن بقصة خال سليم العبرة بالشفافية.

الشفافية.. لا يكفي أن تكون نزيهاً

ببساطة الشفافية لا يكفيها أن تكون نزيهاً فقط، بل أن تكون واضحاً وقابلاً للمساءله، وعلى مستوى الحوكمة وإدارة شؤون الدولة، يحتاج المواطنون أن يعرفوا ماذا فعلت وكيف فعلته ولماذا فعلته، بالإضافة لحق السؤال والمراجعة والمشاركة.

فعندما تقول وزارة الطاقة السورية أنها أطلقت مشروعاً مائياً حيوياً في ريف حماة الشمالي كما في الخبر هنا فهذا لا يكفي. المطلوب هنا إعلان تكلفة المشروع، مدة تنفيذه، من هي الجهة المنفذة، كيف تم اختيارها، لماذا هذا المشروع دون غيره. وهذا ليس تشكيكاً بالمشروع ولا بموثوقيته، وإنما منعاً للتشكيك وزعزعة الثقة كما حدث مع “خال سليم”.

من حق كل مواطن أن يحصل على المعلومة، هذا حق من حقوق الإنسان تشير له المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عبر “التماس الأنباء”. وواجب الحكومة أن تتيح للمواطن هذا الوصول عبر تقديم المعلومات كاملة وتوفير منصات رسمية للإطلاع على المعلومات، العقود، الاستثمارات، القرارات..إلخ.

غياب الشفافية غياب العدالة

عندما تغيب الشفافية تغيب العدالة ويتولد الشك، فعندما يعين أخ وزير مديراً لمؤسسة حكومية، أو ابن وزير مسؤولاً عن ملف ما ضمن السلطة التنفيذية، من حق المواطن أن يعرف لماذا تم اختياره ماهي كفاءاته ولماذا هو وليس غيره، ومن حقه هو أيضاً ألا يوضع في موضع الشك بكفاءاته التي ربما يمتلكها وربما لا يمتلكها.

العمل العام وقضايا الشأن العام ليست صندوقاً أسوداً، والعمل الحكومي هو عمل عام وشأن عام لجميع المواطنين، ويجب الكشف عنه كل يوم وليس كلما سقط نظام نكتشف ماكان يفعله وكأنه صندوق أسود لا يفتح إلا بسقوط الطائرة.

 

كذلك الأمر نقرأ عشرات قرارات فصل الموظفين/ات، وبنفس الوقت نجد أنه يعين موظفين/ات في نفس المؤسسات التي تشهد عمليات الفصل. دون الإجابة على سؤال لماذا تم تعيين هؤلاء دون غيرهم وماذا لديهم ولم يكن لدى المفصولين، من حق هؤلاء المعيّنين ألا يكونوا في دائرة الشبهة أمام زملائهم في العمل وأمام الناس.

وهذا يتحقق بالشفافية عندما تقول كيف جرت المسابقة، ماهي المعايير كيف حققها من تم اختيارهم وكيف لم يحققها من تم استبعادهم، وبذلك تحمي مؤسسات الدولة وتحمي الناجحين بالمسابقة وتحمي حق المواطنين بالمعرفة. وتتحقق العدالة للجميع مواطنين، موظفين ومؤسسات.

الشفافية.. الشأن العام ليس صندوقاً أسوداً

العمل العام وقضايا الشأن العام ليست صندوقاً أسوداً، والعمل الحكومي هو عمل عام وشأن عام لجميع المواطنين، ويجب الكشف عنه كل يوم وليس كلما سقط نظام نكتشف ماكان يفعله وكأنه صندوق أسود لا يفتح إلا بسقوط الطائرة.

الثقة لا تُبنى بالنوايا الحسنة، والسمعة الطيبة تتسخ وتفوح رائحتها بغياب الوضوح والمساءلة

عندما يكون لدى الحكومة استثمارات بمليارات الدولارات، وتمنح منشآت ومعامل ومؤسسات حكومية لمستثمرين محددين، وتوقع عقوداً مع شركات معينة، من حق المواطن أن يعرف كيف جرت هذه العملية؟، لماذا هذه الشركة؟، ولماذا هذه المؤسسة؟، وماهي القيمة والشروط ووإلخ من معلومات ضمن إطار الشفافية التي تحمي المواطن والدولة على حدى سواء. فعندما يعرف المواطن الأسباب والنتائج وتكون صادقاً معه في تقديمها سيكون شريكاً في النجاح وبدل أن يكون عامل تشكيك وتعطيل يكون عامل نجاح وتثقيل، وكذلك المسؤول بدل أن يشعر أنه فوق الرقابة المجتمعية يشعر أنه تحتها وبالتالي تحميه هذه الرقابة من الفساد أو على الأقل تجعله يفكر ألف مرة قبل أن يسلك طريق الفساد.

الشفافية هي أنه في حال قرر خالك إدارة توزيع الورثة، يعرف الجميع كيف وزعها ولماذا، أي أن يعرف المواطن من اتخذ القرار وكيف ولماذا هو أصلاً اتخذه، فالثقة لا تبنى بالنوايا الحسنة، والسمعة الطيبة تتسخ وتفوح رائحتها بغياب الوضوح والمساءلة.

زر الذهاب إلى الأعلى