أخر الأخبارالرئيسيةسناك ساخن

السلطة السورية تقترب من نهاية التمكين… هل تبدأ مرحلة بناء الدولة؟

التمكين في السلطة.. التعيين من سلة واحدة وفق معايير الولاء وعدم التهديد

تقترب السلطة السورية الانتقالية من نهاية مرحلة تمكين سلطتها على الجغرافية السورية ومؤسسات الدولة المختلفة، لتدخل في تحدي مواجهة مشكلاتها الداخلية داخل بنيتها والتعامل مع المخاطر التي ولّدتها أولوية التمكين قبل بناء الدولة.

سناك سوري – بلال سليطين

على مدى قرابة 15 شهراً، اعتمدت السلطات السورية الانتقالية مبدأ التمكين في إدارتها لمؤسسات الدولة والذي يقوم على تثبيت سلطتها وقواعدها في الحكم وإحكام السيطرة على الجغرافيا والمؤسسات.

لناحية السيطرة على الجغرافيا ومكامن التهديد فيها، فهي تكاد تصل إلى المراحل الأخيرة بعد إنهاء ملف أحمد العودة في درعا، وقبله قسد في شمال شرق سوريا. ويبقى أمامها ملف السويداء، والذي يبدو أنها ستذهب باتجاه إنهائه قريباً بغض النظر عن النتيجة المتوقعة، إلا أن الهدف والبوصلة واضحين: إزالة كل مصادر التهديد للجغرافيا وإضعاف صورة السلطة المركزية.

أما لناحية إحكام السيطرة على المؤسسات فهي أيضاً بالمراحل الأخيرة من تمكين سلطتها، فالنهج الذي اعتمدته منذ اللحظة الأولى لتوليها كان يقوم على توزيع كوادر شبكتها القادمة معها بعد إسقاط النظام على مؤسسات الدولة السورية بهدف تثبيت استقرار السلطة فيها وضمان عدم توليد أي تهديدات لها.

وبالتالي نلحظ كيف كان الاختيار يتم على أسس غير مهنية ومن خارج سياق المؤسسات ذاتها، وإنما الاختيار على أساس الولاء والارتباط التنظيمي أو العائلي بالسلطة أو بأحد كوادرها الرئيسيين، وهذا أحد الأساب التي أدت لوجود عدة أفراد من عائلة واحدة في مؤسسات مختلفة.

هذا الواقع بالتأكيد، تسبب بحالات تخبط وفشل في تعيينات واختيارات في ظل غياب المؤشرات الرسمية للأداء ومعايير الاختيار المهنية والعلنية للمدراء. وربما وجد البعض له مبررات في سياق لحظة انتقالية ما، وهاجمه البعض انطلاقاً من اختلاف منهجي وإداري مع السلطة حول الواقع والمستقبل.

لكن اعتماد مبدأ التمكين أثّر بشكل كبير على مبدأ البناء، فقد كانت الأولوية أن يكون الشخص مضموناً لا أن يكون خبيراً وصاحب خطة نهضة وتنمية في المهمة التي يتولاها، وهذا أنتج بالمحصلة ضعفاً بالتخطيط وتباطؤ في النمو وتدهوراً في بعض الحالات، وترسيخ منظومة حكم شبكية لديها حساسية تجاه من هم خارج هذه الشبكة، بالمقابل فإن المستبعدين من هذه الشبكة من أصحاب الكفاءة يجدون أنفسهم بحالة مواجهة مع المنظومة كما حدث مثلاً في تعيينات وزارة الخارجية على سبيل المثال وليس الحصر، فهي ربما تكون أقل التعيينات أهمية مقارنة مع مدراء المؤسسات ممن هم على احتكاك مباشر مع الناس ومع أولويات المعيشة والاقتصاد والأمن ..إلخ.

تعيينات الخارجية تفتح باب الجدل .. غياب الدبلوماسيين عن السفارات السورية

مابعد التمكين مواجهة المشكلة الحقيقة

وكما قلنا، تقترب السلطة من نهاية مرحلة التمكين وإن تأخرت السيطرة على ما تبقى من الجغرافية فإن عملية التمكين في الحكم والانتشار والسيطرة على مؤسسات الدولة ومفاصل الحكم أصبحت شبه منتهية، وبالتالي تصل هذه المرحلة لنهايتها وتبدأ مرحلة جديدة قريباً يمكن وصفها بمواجهة المشكلات الداخلية، وهذه المرحلة أخطر إذا أُديرت بالأدوات نفسها التي أُديرت بها مرحلة التمكين.

فعلياً، السلطة ليست كلّاً واحداً ولا رأياً واحداً، وإن كان الوضع الحالي يشي بأننا أمام كتلة واحدة إلا أنها كتلة في مواجهة ما تعتقد أنها مخاطر تواجهها، وليست كتلة في الأيديولوجيا ولا في المشاريع من السياسة والاقتصادية وصولاً إلى الهويات، ومع انحسار المخاطر التي تهدد السلطة سيظهر التباين الداخلي إلى السطح بشكل أكبر مما هو عليه الآن، ليس بالضرورة على شكل انقسام معلن وظاهر بشدة، بل على شكل تعطيل صامت أو تناقض في القرارات أو ازدواجية في التنفيذ وخلافات داخل مراكز قوة غير مرئية.

التمثيل السياسي شرط للاستقرار وبناء السلام

ويمكن لحظ هذه الفوارق داخل منظومة السلطة بالهوة الواسعة بين الخطاب على المستوى الأعلى والسلوك على المستوى الأدنى، بين قدرة المسؤولين بالصف الأول على تغيير الخطاب واللغة والانتقال بالسردية من الفصيل إلى الدولة، وبين عجز المستوى الأدنى عن ذلك في كثير من المناسبات، وهذا ليس فقط فرقاً في اللغة بل في التصور على اعتبار أن الدولة تقوم على قواعد بينما الشبكة والفصيل يقومان على العلاقات، والدولة تعني المؤسسات بينما الشبكة الحالية تعني الأسخاص بشكل رئيسي.

لكن بعد التمكين، ستبدأ مرحلة مواجهة الواقع بحقيقته واختلافاته داخل المنظومة (الشبكة) الواحدة، التي -كما قلنا- تبدو كتلة واحدة لكنها كتل مختلفة، ولكل كتلة حساباتها ومصالحها ورؤيتها للمستقبل، وبعضها يرى نفسه شريكاً في الحكم، وبعضها يرى نفسه صاحب الفضل في الوصول إليه، وبعضها يرى أنه صاحب مشروع يجب أن يُكافأ بحرية تنفيذه في مساحة نفوذه بعيداً عن مشاريع الدولة. وينسحب هذا الأمر على شخصيات منفردة بأدوار متفرقة ترى أنها بذلت تضحيات ويجب أن تُكافأ بما في ذلك بعض المؤثرين والناشطين.

هنا حاجة للانتقال نحو نهج الحصول على الشرعية من الأداء ونهج بناء الدولة وإدارة الصالح العام بعيداً عن منطق القوى والتمكين

وأضرب مثالاً هنا في محاولة لتوضيح جزء من المشهد، مدير مجتمع تربوي تم تعيينه على أساس الولاء وهو راضٍ بهذا المنصب ويحبه ولا يسعى لغيره لكنه فعلياً صاحب مشروع مختلف عن مشروع وزارة التربية، وهو يعتقد أنه أكبر من الوزارة وأعلى درجة من الوزير نفسه، والوزارة لديها مشروع آخر يتعارض مع مشروعه، السؤال هنا أي المشروعين سيُطبق؟ الجواب، سيُطبق مشروعه وسيدخل بمواجهة مع التربية متحصّناً بشعوره بأن لديه شرعية فوق شرعية الوزارة التي هو موظف فيها، وبالمناسبة هو حالياً يطبق مشروعه ولا يستجيب لتعليمات الوزارة لكنه مع السلطة ويسعى لتمكينها في نفس الوقت، وهنا تظهر المفارقة.

بعض أشكال المواجهة الداخلية ما بعد التمكين

للمشكلة الداخلية أشكال متعددة منها: المواجهة مع القوى التي تتشكل منها السلطة بشكل مباشر أو غير مباشرK بما فيها المؤثرون بأشكالهم المختلفة، إلى خلاف الهويات الداخلية والرؤى والعلاقة مع المجتمع، إلى تضارب المشاريع الاقتصادية بين من يريد اقتصاداً منفتحاً ومن يريد اقتصاداً مغلقاً، إلى سؤال العلاقة مع المجتمع المحلي في المناطق والمحافظات.

طبعاً هذا دون التطرق إلى المشكلة الوطنية الداخلية المتمثلة بالإجابات على الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالخدمات للمواطنين وموارد الدولة والواقع المعيشي..إلخ.

الشجاعة في هذه المرحلة تكمن بالقدرة على مراجعة الذات قبل أن يفرض الواقع مراجعة أكثر كلفة على مجتمع أنهكته الحرب والأعباء والأحلام بمستقبل أفضل

في الحالة الصحية، تكون الاختلافات الفكرية مفيدة، خصوصاً إذا كان من يحملوها على صفحة واحدة، ومرجعيتهم جميعاً هي الدولة وماهو أفضل لها، لكن في حالتنا يبدو الواقع وكأننا أمام تباينات بظل غياب آلية مؤسسية لحلها وتفكيكها، فبظل اعتماد الولاء وغياب المعايير الواضحة للاختيار، فإن الخوف يكمن في أن تحسم الخلافات بمعايير القرب من مركز صنع القرار على المستوى الأعلى والبعد عنه وليس بمعايير الأداء والحوكمة.

الانتقال من التمكين لبناء الدولة؟

فالسلطة التي أنهت تقريباً مرحلة التمكين مطالبة اليوم بالانتقال إلى مرحلة مختلفة جذرياً، وهي مرحلة “الإصلاح المبكر” والتي تطلب فتح المؤسسات على المجتمع، ووضع معايير معلنة وشفافة للتعيين والتقييم، والفصل بين الولاء السياسي والكفاءة الإدارية، وتفكيك الشبكة لصالح المأسسة والمؤسسات العامة، والانتقال من العلاقة الشخصية إلى معايير مكتوبة ومرجعية وشفافية..إلخ من محددات سياسية وإدارية بديهية كانت غائبة.

فالاستمرار بمنطق التمكين بعد انتهاء ضرورته لن يؤدي لتعزيز الاستقرار بل لخلق حالة من الهشاشة الداخلية سببها مراكز النفوذ التي تتشكل بغياب المعايير والتي تتحول مع الوقت إلى عوائق إصلاح البنية لاحقاً، وبشكل أو بآخر تصبح الدولة رهينة توازنات داخلية لا علاقة لها بمصلحة المواطن الذي يغيب عن المشاركة في صناعة السلطة، أيضاً بظل عدم وجود انتخابات على أي مستوى ولا مشاورات على مستوى التعيينات.

هذا الواقع يجعل هذه المرحلة مفصلية لناحية تحديد مستقبل الدولة؛ فهي إما تكون نقطة الشعور بالأمان والانتقال لمرحلة بناء الدولة والإصلاح في بنية منظومة الحكم والحوكمة، أو تكون مرحلة صراع داخلي صامت ضمن المنظومة الواحدة لا يهددها بل يهدد لقمة عيش المواطن ومستقبله وبناء دولته.

وزارة الإدارة المحلية تعزز سلطة المحافظين الفردية

زر الذهاب إلى الأعلى