أخر الأخبارالرئيسيةشباب ومجتمع

“الثلجة الثالثة”.. حلوى الشتاء التي تجمع السوريين على طعم واحد

من طرطوس إلى إدلب والقلمون والسويداء، أكلة شعبية بسيطة تتحول إلى ذاكرة مشتركة

في كل شتاء، ومع أول تساقط للثلج، كان السوريون ينتظرون “الثلجة الثالثة” كما ينتظرون عيداً صغيراً، ليس لأنها الأبرد، بل لأنها بحسب الذاكرة الشعبية الوحيدة “الصالحة للأكل”، عندها فقط، كان الثلج يتحول من برد قاس إلى حلوى دافئة المعنى، يُسكب فوقه دبس العنب أو شراب الورد أو البرتقال، ويؤكل جماعياً في البيوت والساحات، تحت أسماء مختلفة، لكن بطعم واحد.

سناك سوري-دمشق

تستعيد السبعينية عائشة مصطفى من ريف طرطوس الطقس الذي مايزال حاضراً في ذاكرتها، وتقول لـ”سناك سوري”: «كانوا الختايرة يقولوا: أول ثلجة دم، الثانية سم، الثالثة كول ولا تهتم… ونحضر البقسمة “بوظة الشتاء” كما نسميها؛ ثلج أبيض مع دبس العنب، وكانت أطيب من أي بوظة».

تصف عائشة هذه الأكلة كجزء من طفولة جماعية، لا فردية، حيث كان الأطفال يجتمعون حول وعاء واحد، بلا خوف من البرد ولا من المرض.

حلب وإدلب: “السويق” بطعم الورد والتمر

في الشمال السوري، تأخذ الأكلة اسماً آخر تقول عائدة 60 عاماً: “كنا نحط للثلج شراب برتقال أو ورد ونأكله بحلب، نسميه “سويق” متل السلاش اليوم بس بنكهة الطفولة”.

ويضيف حسان من ريف إدلب: “كنا نضيف دبس العنب أو التمر، ولسا في ناس لليوم بتعملها كل شتوية”.

مقالات ذات صلة
ثلج ودبس عنب وتصبح بقسمة – سناك سوري

القلمون والسويداء: الجبال نفسها، الطقس نفسه

لا تختلف القصة كثيراً في القلمون أو السويداء، في المناطق الجبلية الثلجية، تظهر الأكلة نفسها بنفس القاعدة، لا يُؤكل الثلج إلا بعد التساقط الثالث، قناعة شعبية واحدة، من الساحل إلى الجنوب، من دون اتفاق مسبق، ولا وزارة تراث.

طبيب الأطفال “حسن الحامض”يقول لـ”سناك سوري”، إنه من المهم أن يكون مصدر الثلج نظيفاً وهذا يتحقق في الثلجة الثالثة، مضيفاً أن دبس العنب غني بالطاقة ومفيد للأطفال، لكن يفضل تناوله ببطء لتجنب تشنجات الحلق والجهاز الهضمي.

ما يجمع السوريين هنا ليس مجرد أكلة، بل طريقة تفكير واحدة، الانتظار نفسه، الطقس نفسه، الحذر نفسه، المتعة نفسها، حتى الخرافة نفسها.

رغم الانقسامات بقيت هذه التفاصيل الصغيرة خارج كل اصطفاف، فالثلج لا يعرف طائفة، والدبس لا يسأل عن الهوية، وأطفال طرطوس يشبهون أطفال إدلب أكثر مما يتخيل السياسيون، ولعل السوريين وإن اختلفوا على شكل دولتهم، فقد اتفقوا منذ زمن بعيد على أمر واحد لا تؤكل الثلجة الأولى، والثالثة وحدها هي الأطيب.

زر الذهاب إلى الأعلى