الحرية التي حلم بها السوريون.. هل نالوها؟
ربما لا يوجد جواب لكن الأكيد أن المواطن السوري اليوم لم يعد يشبه نفسه بالأمس

إن كان هناك من شيء تغير في سوريا بعد سقوط النظام السابق، فهو بلا شك علاقة السوريين بالكلام.
سناك سوري – رحاب تامر
الكلمات التي كان السوريون يبتلعونها خوفاً لعقود، صارت اليوم تقال بصوت عال، “ضحايا جدد” يروون ما عاشوه، مواطنون ينتقدون المسؤولين علناً، وناشطون يكتبون آراءهم بلا ذلك التردد القديم الذي كان يسبق كل جملة بغض النظر عن النتيجة.
لكن هذا التحول، على أهميته، لا يعني بالضرورة أن البلاد دخلت مرحلة حرية التعبير الحقيقية، فبين كسر حاجز الخوف واتساع مساحة الكلام، ما تزال سوريا تبحث عن الشكل الذي يمكن أن تتحول فيه حرية التعبير من مجرد قدرة على الكلام إلى حق فعلي قادر على التأثير.
الشارع يتكلم
خلال الأشهر الماضية، شهدت عدة مدن في “سوريا الجديدة” مظاهرات ووقفات احتجاجية، بعضها رفع مطالب معيشية أو خدمية، وبعضها الآخر انتقد قرارات رسمية.
مرت هذه الاحتجاجات في كثير من الأحيان دون تدخل أمني مباشر لقمعها، في مشهد كان يصعب تخيله قبل سنوات قليلة، حين كانت أي محاولة للاحتجاج كفيلة باستدعاء القبضة الأمنية فوراً، بالمقابل جاء القمع من بلطجية يصفون أنفسهم أنهم موالون للسلطة، ويعتقد كثر منهم أن حرية التعبير مصانة فقط لمن “خرج بالثورة” وليس لمن عاش داخل مناطق سيطرة النظام.

المشهد تكرر حين خرج إلى العلن عدد متزايد من الضحايا والناجين الذين بدأوا يروون قصصهم علناً، في مشهد لم يكن يجرؤ عليه أحد بزمن النظام السابق، مرة أخرى لم تتدخل السلطة لقمعهم، على العكس اعترفت بحقهم في حرية التعبير، لكن البلطجية من مناصريها كان لهم رأي آخر بقمع أصوات الضحايا والتحريض ضدهم، السلطة التي لم تتدخل لقمع حرية التعبير عند الضحايا لم تتدخل كذلك لمنع المسيئين من مناصريها من التضييق على حرية البعض بالحزن والتعبير.
إذا، هذا التحول لا يعني بالضرورة أن سوريا دخلت مرحلة حرية التعبير الحقيقية، لكنه يشير بوضوح إلى أن حاجز الخوف الذي حكم الحياة العامة لعقود قد انكسر إلى حد كبير.
حرية التعبير لا تقتصر على القدرة على الكلام فقط، بل تتضمن أيضاً إمكانية التأثير، والحماية القانونية، وقابلية الرأي للتحول إلى قوة اجتماعية
الكلام يتسع لكن الفضاء “غوغائي”
مع اتساع مساحة الكلام، ظهرت أيضاً ظواهر جديدة في الفضاء العام، أبرزها انتشار خطاب الكراهية والشتائم الطائفية في بعض النقاشات، خصوصاً على وسائل التواصل الاجتماعي.
وبينما يرى البعض في ذلك انعكاساً طبيعياً لسنوات طويلة من القمع والانفجار المفاجئ للكلام، يخشى آخرون من تحول هذه المساحة إلى فوضى خطابية يتساوى فيها الرأي مع التحريض، والمعلومة مع التضليل.
الخوف هنا لم يعد مرتبطاً بالاعتقال كما في السابق، بقدر ما أصبح مرتبطاً بالضغط الاجتماعي أو حملات التشهير التي قد تطال أي شخص يعبر عن رأي مخالف
فحرية التعبير لا تقتصر على القدرة على الكلام فقط، بل تتضمن أيضاً إمكانية التأثير، والحماية القانونية، وقابلية الرأي للتحول إلى قوة اجتماعية.
ومن هذا المنظور، تبدو حرية التعبير الراهنة في سوريا أقرب إلى حرية متاحة تقنياً لكنها ما تزال غير مكتملة وظيفياً.
أدوات ردع جديدة
غياب الاعتقال لا يعني بالضرورة غياب الضغوط، بل قد يشير أحياناً إلى تغير أدواتها، فعلى منصات التواصل، خصوصاً فيسبوك، يلاحظ انتشار واسع لحسابات مؤيدة لجهات سياسية مختلفة سواء من المؤيدين للسلطة أو من المجموعات المعارضة لها.
هذه الحسابات ليست بالضرورة جميعها منظمة أو تابعة لجهة واحدة، لكنها تؤدي وظيفة متشابهة تقوم على الردع النفسي والاجتماعي، عبر حملات التخوين أو التحريض أو الوصم بحق كل من تجرأ على “التعبير”.
فالخوف هنا لم يعد مرتبطاً بالاعتقال كما في السابق، بقدر ما أصبح مرتبطاً بالضغط الاجتماعي أو حملات التشهير التي قد تطال أي شخص يعبر عن رأي مخالف، والأخطر الخوف من حملات التحريض التي يمكن أن تؤدي أحياناً إلى “القتل”!

ولا يقتصر النقاش حول حدود الحرية في سوريا الجديدة على التعبير السياسي فقط، بل يمتد أيضاً إلى تفاصيل الحياة اليومية.
فمنذ أيام، تم توقيف سيدة في سلمية بتهمة “الجهر بالإفطار” في شهر رمضان، قبل أن يتم الإفراج عنها لاحقاً، كما سبقت ذلك قرارات بإغلاق بعض المطاعم بسبب تقديمها المشروبات الكحولية خلال الشهر نفسه في اللاذقية.
هذه الحوادث تعيد طرح سؤال ما الذي تعنيه الحرية فعلياً في سوريا بعد سقوط النظام؟ وهل تتعلق فقط بحرية التعبير عن الرأي السياسي، أم تشمل أيضاً الحريات الشخصية وأنماط العيش المختلفة؟ التي كفلها الإعلان الدستوري بالمناسبة.
الكلام، مهما بدا فوضوياً أو متناقضاً، يبقى الخطوة الأولى نحو حرية حقيقية لم تتشكل بعد
بالنسبة للبعض، تبدو هذه الإجراءات مؤشراً على محاولات فرض ضوابط اجتماعية أو دينية على المجال العام، بينما يرى آخرون أنها تدخل ضمن احترام خصوصية المجتمع وتقاليده، لكن ما تكشفه هذه الوقائع حقاً هو أن المجتمع السوري ما يزال يختبر حدوده الجديدة بين الحرية الفردية والقيود الاجتماعية، في مرحلة تبدو فيها قواعد الفضاء العام قيد التشكل.
مرحلة انتقالية
بين هذا الانفجار في الكلام وهذه الفوضى الخطابية، يجد السوريون أنفسهم في مرحلة انتقالية معقدة، فحرية التعبير لا تعني فقط غياب القيد، بل وجود بنية تحميها قوانين واضحة، مؤسسات قادرة على ضمانها، وفضاء عام منظم يسمح بالنقاش دون أن يتحول إلى ساحة صراع أو تخوين.
دون ذلك، غالباً الصوت السوري سيظل حاضراً أكثر من أي وقت مضى، لكنه سيبقى صوتاً يبحث عن صدى، رغم هذا تبرز بارقة أمل، التغيير الأهم أن المواطن السوري اليوم لم يعد يشبه نفسه بالأمس، فمع سقوط الأسد، لم تسقط سلطة الخوف فقط، كذلك سقط ذلك الحاجز غير المرئي الذي كان يمنع السوريين من الكلام، والكلام، مهما بدا فوضوياً أو متناقضاً، يبقى الخطوة الأولى نحو حرية حقيقية لم تتشكل بعد.








