لا تبحث سمر 46 عاماً عن الأرخص حين يداهمها الألم، بل عن اسم واحد تثق به منذ سنوات سيتامول شركة تاميكو، ورغم أن سعر الظرف الواحد يصل إلى ستة آلاف ليرة سورية، مقابل أربعة آلاف فقط لأصناف مماثلة من شركات أخرى، تقول سمر لـ”سناك سوري”، إنها لم تغير خيارها يوماً لكن اليوم مع قرار إيقاف المعمل ستكون مضطرة لتغيير الخيار.
سناك سوري-دمشق
هذه الثقة، التي تتشاركها سمر مع شريحة واسعة من السوريين، وهي علاقة عادت إلى الواجهة بقوة مع قرار حكومي بإيقاف إنتاج الشركة، وما أثاره من مخاوف وجدال حول مستقبل الدواء، وأسعاره، ومن يحمي حق الفقراء في العلاج.

قرار الإيقاف وتبرير رسمي
أكد مدير الرقابة الدوائية في وزارة الصحة السورية، الدكتور هاني البغدادي، أن إيقاف الإنتاج إجراء “مؤقت”، يهدف إلى إعادة تأهيل البنية التحتية للمقر بما يضمن الالتزام بمعايير التصنيع الجيد (GMP).
وأوضح، في تصريح نقلته سانا، أن جولات فنية كشفت عن ثغرات في أنظمة ضبط الجودة والتوثيق وتأهيل خطوط الإنتاج، وهي شروط أساسية لضمان سلامة المستحضرات الدوائية.
وأشار البغدادي إلى أن الشركة تتعاون حالياً مع معامل دوائية خاصة لتأمين المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج وفق المواصفات القياسية، مؤكداً أن معظم أصناف “تاميكو” متوافرة في السوق من خلال معامل أخرى، ما يعني بحسب قوله أن الإيقاف لن يؤدي إلى نقص دوائي.
اعتراضات قانونية واقتصادية
في المقابل، اعتبر المحامي هادي بازغلان أن الطريقة التي نشر بها خبر الإغلاق “مستغربة”، لافتاً إلى أن “تاميكو” شركة عامة كانت تتبع لوزارة الصناعة، ثم أصبحت بعد التحرير تابعة لوزارة الاقتصاد والصناعة، وتعد وفق وصفه من أنجح الشركات السورية حتى على المستوى الإقليمي.
ورأى بازغلان أن إغلاقها “يضرب الصناعة والاقتصاد في مقتل”، لأن البديل سيكون الدواء الخاص أو المستورد، ما يعني ارتفاعاً كبيراً في الأسعار، وخسارة “آخر خط حماية للمواطن الفقير من جشع السوق الدوائية”.
وتساءل بازغلان: «كيف عجزت الحكومة، خلال أكثر من عام على التحرير، عن تأمين مبنى بديل صالح لنقل معدات الشركة وضمان استمرار الإنتاج، في وقت أنفقت فيه ملايين الدولارات على مؤتمرات استثمار ومواكب رسمية؟».
وأضاف أنه لا يجزم بصحة ما يتداول عن شراكة محتملة مع شركة تركية، لكنه حذر من أن تسليم قطاع الدواء لشركات أجنبية سيقود إلى سيناريو شبيه بقطاعي الكهرباء والاتصالات، من حيث ارتفاع الفواتير وعجز المواطنين عن الدفع.
كارثة صحية واقتصادية!
من جانبه، وصف الخبير الاقتصادي جورج خزام إغلاق “تاميكو” بأنه “كارثة صحية واقتصادية ومالية قادمة”، معتبراً أن ذرائع عدم مطابقة المواصفات أو الفساد لا تبرر الإغلاق، لأن تطبيق المعايير وضبط الحسابات “أمر بسيط من الناحية التقنية والمحاسبية”.
وربط خزام القرار بسياسة أوسع لإغلاق المصانع الحكومية وإحلال المستورد ولا سيما التركي مكانها، محذراً من ارتفاع البطالة واستنزاف الدولار وتفاقم الجمود في الأسواق.
بدورها، قالت الدكتورة ثريا سروجي إن “تاميكو” خدمت السوريين لأكثر من سبعين عاماً وقدمت دواء جيداً بأسعار زهيدة، متسائلة عن سبب اكتشاف عدم مطابقة البناء للمواصفات “فجأة”، من دون دراسة أثر الإغلاق على الفئات الفقيرة، أو التفكير ببناء جديد ونقل المعدات إليه.
وسألت الصحفية لما كيالي، عبر منشورها: “من سيكون البديل؟ وهل ستكون الأسعار في متناول الناس؟”.
أما مروان زغيب فاعتبر القرار “تدميراً ممنهجاً” لرمز وطني، مشيراً إلى أن تزامنه مع معلومات عن دخول شركات دوائية أجنبية تركية تحديداً يثير مخاوف من ارتفاعات كبيرة في أسعار الدواء، ومن نقل مقدرات القطاع إلى جهات خاصة أو خارجية.
وأضاف: «إن تراجع وزارة الصحة عن قرارها مسؤولية يجب تحملها، وعليها أيضا دعم شركة تاميكو بكل الوسائل المادية والبشرية لاستعادة دورها الاقتصادي والوطني».
وبالتوازي مع إعلان الإيقاف، تداولت منصات إعلامية تسريبات عن عقد غير معلن بين وزارة الصحة وشركة أركاديا فارما التركية، يمنحها دوراً في إدارة أو تصنيع الدواء في سوريا.
ولم يصدر حتى الآن أي تأكيد رسمي بشأن صحة هذه المعلومات، في وقت يتواصل فيه الجدل بين الرواية الحكومية التي تصف الإجراء بالمؤقت، وأصوات قانونية واقتصادية وطبية ترى فيه تهديداً مباشراً لأمن الدواء ولقدرة السوريين على تحمّل كلفته.
تاميكو.. دواء منخفض الكلفة
تُختَصر قصة تاميكو، التي تأسست عام 1956، بتاريخ طويل من كونها إحدى ركائز الصناعة الدوائية في سوريا، وهو ما توج بحصولها على شهادة الأيزو 2001/2000 عام 2003، قبل أن يتعرض مقرها الرئيسي ومعاملها للتدمير الكامل خلال سنوات الحرب.
ورغم ذلك، واصلت الشركة حضورها الإنتاجي حتى عام 2013 عبر ثلاثة فروع تضم 12 قسماً، شملت أدوية بشرية أساسية، وأغذية أطفال، وسيرومات طبية، لتشكل لسنوات طويلة خط إمداد رئيسياً للدواء منخفض الكلفة.
ومطلع العام الماضي، أعلنت تاميكو أنها أعادت تشغيل ستة خطوط إنتاج تشمل الأقراص والكبسولات والأشرِبة وأملاح تعويض الشوارد والمعقمات، وفق ما نقلته سانا حينها، كما ارتفعت طاقتها الإنتاجية هذا العام إلى 60 صنفاً دوائياً، بزيادة تجاوزت 80 في المئة مقارنة بالعام السابق، وبقيمة إنتاج بلغت 102 مليار ليرة سورية، في مؤشرات تعكس قدرة الشركة على التعافي والتوسع، وتضع قرار إيقافها اليوم أمام أسئلة مفتوحة حول مستقبل الدواء الوطني، ومن يتحمل كلفة غيابه.
