الرئيسيةتقارير

العدالة الجندرية: حين تصبح المساواة ظلماً!

هكذا تفسر العدالة الجندرية الفرق بين الإنصاف والمساواة

في سباق طويل، يقف رجل وامرأة على خط البداية نفسه، يعطيهما الحكَم الإشارة نفسها، ويطلب منهما أن يركضا المسافة نفسها، ثم يقول: “الفرصة أمامكما متساوية والفوز للأفضل”.

سناك سوري-رحاب تامر

لكن قبل أن يبدأ السباق، تكون المرأة قد قطعت شوطاً إضافياً من دون أن يراه أحد، استيقظت أبكر، حضّرت الفطور، جهّزت الأطفال، فكرت بمن سيرعاهم بعد انتهاء الدوام، وحملت معها قلقاً لا يحمله الرجل بالقدر نفسه، ثم تبدأ الركض وهي تحمل على ظهرها حقيبة ثقيلة، بينما يركض الرجل خفيفاً.

في النهاية، لا يصلان في الوقت نفسه، وغالباً ما يفوز الرجل وعندما تعترض المرأة، يأتي من يقول لها: “لكننا عاملناكما بالطريقة نفسها”.

هنا بالضبط يبدأ معنى العدالة الجندرية.

المساواة والإنصاف

كثيراً ما يُستخدم مصطلحا “المساواة” و”الإنصاف” باعتبارهما شيئاً واحداً، لكن الفرق بينهما كبير، المساواة تعني أن يحصل الجميع على الشيء نفسه، القوانين نفسها، الفرص نفسها، المعاملة نفسها، أما الإنصاف، أو العدالة الجندرية، فيعني أن ننظر أولاً إلى الأحمال والعوائق المختلفة التي يحملها كل شخص، ثم نمنحه ما يحتاجه فعلاً ليصل إلى النقطة نفسها.

في مثال السباق، المساواة هي أن نعطي الرجل والمرأة الحذاء نفسه ونقطة الانطلاق نفسها، أما العدالة الجندرية فهي أن نسأل من منهما يركض وفي ظهره حمل أكبر؟ ومن يحتاج إلى دعم أو تغيير في الظروف حتى تصبح المنافسة عادلة حقاً؟

لهذا تقول الأمم المتحدة إن المساواة بين الجنسين تعني أن يتمتع الجميع بالحقوق والفرص نفسها، بغض النظر عن كونهم رجالاً أو نساء، لكن هذا وحده لا يكفي، لأن الناس لا يعيشون الظروف نفسها، ولا يبدؤون من المكان نفسه.

الباحثة أمينة ودود تلخص الفكرة بعبارة بسيطة: «المساواة لا تعني أن نصبح متشابهين، بل أن نحظى بالكرامة نفسها رغم اختلاف ظروفنا»

فالمرأة التي تعمل الوظيفة نفسها التي يعملها الرجل، قد تعود إلى المنزل لتبدأ “دواماً ثانياً”، طبخ، تنظيف، رعاية أطفال، أو الاهتمام بأهل كبار في السن، وإذا أعطتها الشركة الراتب نفسه وساعات العمل نفسها، فهذا يبدو مساواة، لكنه لا يصبح عدالة إذا تجاهل أن عبء الحياة خارج العمل ليس موزعاً بالتساوي.

لذلك، فإن العدالة الجندرية لا تعني أن تُعامل النساء والرجال بالطريقة نفسها دائماً، بل أن تؤخذ الاختلافات في الواقع بعين الاعتبار، أحياناً تحتاج المرأة إلى إجازة أمومة أطول، أو إلى ساعات عمل مرنة، أو إلى حضانة في مكان العمل، ليس لأنها “أقل” من الرجل، بل لأنها تحمل أعباء إضافية لا تظهر في القوانين المكتوبة.

العدالة الحقيقية تبدأ عندما نعترف أن بعض الناس لا يحتاجون “المعاملة نفسها”، بل يحتاجون إزالة الحواجز التي تمنعهم من الوصول، عندها فقط يصبح السباق عادلاً

الباحثة أمينة ودود تلخص الفكرة بعبارة بسيطة: «المساواة لا تعني أن نصبح متشابهين، بل أن نحظى بالكرامة نفسها رغم اختلاف ظروفنا»، فالعدالة لا تطلب أن يركض الجميع بالطريقة نفسها، بل أن يصل الجميع إلى خط النهاية من دون أن يكون أحدهم مضطراً إلى الركض وهو يحمل عبئاً أكبر وحده.

وهذا ما يجعل العدالة الجندرية أكثر من مجرد شعار، فهي ليست أن نقول إن الفرصة متاحة للجميع، بينما يعرف الجميع أن بعض الناس يبدأون السباق من الخلف، وليست أن نكتب قوانين تبدو عادلة على الورق، بينما يبقى الواقع اليومي منحازاً لطرف أكثر من آخر.

فالعدالة الحقيقية تبدأ عندما نعترف أن بعض الناس لا يحتاجون “المعاملة نفسها”، بل يحتاجون إزالة الحواجز التي تمنعهم من الوصول، عندها فقط يصبح السباق عادلاً.

زر الذهاب إلى الأعلى