“بالأملية”: الرفيق “جوهر” عاد لجمع الاشتراكات الحزبية بعد التسوية

بالأملية مو بالديمقراطية

سناك سوري – شاهر جوهر

ببنطال قماش ذو كسرات متلاحقة على خصره كما نمط التسعينيات للموضة، يعلوه قميص مقلّم عريض، انحنى أمام بيتي بالقدر الذي يحب “أنطون تشيخوف” أن يصف أبطاله.

ولو لم يكن اسمه ”أبو ماهر“ ويشغل منصب أمين الفرقة الحزبية في بلدتي لقلت إنه الحوذي ”ايونا بوتابوف“ أحد أبطال “تشيخوف” المعدمين في هذا البلد.

وفي هذا البطل المحلي ومن هم مثله ينطبق المثل البدوي القائل: «حين تكثر الزبدة لدى العرب يدهنوا مؤخراتهم».

ربما لهذا السبب – منذ استعادت الحكومة سيطرتها على الجنوب – بدأ زملاء ”أبو ماهر“ ينبتون كالفطر في كل مؤسسة، ليس بالديمقراطية بل بالأملية – وهذا ما يمكن وصفه بأنه أسلوب عصري للمؤسسة – ( وهو ما لن تجده سوى في هذه العشيرة الكبيرة التي تسمى سوريا).

فحين أخذ السكان – طوال سنوات حكم المعارضة في الجنوب – يجدون أنه لا قانون يحميهم ولا ضير في عدم احترامه، وجدوا بالأملية ملاذهم الأخير، فهي قانون عشائري يحبذه أبناء القرى، ربما لأن ليس له تبعات جزائية أو مالية كالقانون المكتوب، لذا تحوّل لعرف سائد في السنوات الشِحاح السابقة. لكن الصادم أن يسري هذا العرف على مؤسسات الدولة اليوم في مجال المعاملات أو حتى التعيين، والأمثلة على ذلك كثيرة قد لا يستوعبها مقال واحد.

اليوم شرع ”أبو ماهر“ مستعجلاً يبحث في مظروف يحمله عن إيصال صغير، تناولته منه ورحت أقرأ «إيصال قبض بـ 2500 ليرة اشتراك كعضو عامل في الحزب عن سنوات انقطاع سابقة».

أجبته مصدوما، مشوشا:

– ألم تتقاعد؟ ألا زلت على رأس عملك كأمين للفرقة الحزبية منذ ما قبل الحرب؟

ثم غيّرت الحديث حين أحسست أنه لم يعجبه:

– و في حال لم أقم بسداد الاشتراك رفيق؟

رد عليّ:

– بالأملية رفيق نطلب منك تدفع الاشتراكات ..

دمعت عيناي لوطنيته قبل أن ينهي حديثه ويمضي لرفيق آخر في حيّنا.

نهاري الذي بدأ به يبدو أنه لن ينتهي به، فبعدها بساعات وفدت سيارات الهلال الأحمر لتوزيع الاغاثة على السكان، وكالعادة فمنذ بدأت الحرب وأنا كل حين أقف في الطابور مع الجميع منتظراً السلة الغذائية، والكل باندفاع يقطع إيصاله من اللجنة المحلية ويمضي لسلّته، وكالعادة يأتي مندوب المجلس المحلي لحيّنا – وهو رجل خمسيني نذر نفسه لهذه المهنة منذ أول يوم بدأت فيه الحرب حتى اليوم ، وبياقة قميصه المطوية على الدوام يرمقني بعصبية في كل مرة وبنفس الطريقة يتجهم وجهه ويكرر كلماته بثبات (لا ترجو الأملية من أحد، إن كان لك سلة فعليك أخذها).

أما أنا فنادرا ما أرجو أحد، لذا غالباً ما أعود الى المنزل خالي اليدين، لهذا أجد جوابه جاهزاً و بالانتظار (الفقر ما بيتعدى عحدا). وهي مقولة تكررها قريتي باستمرار، ربما لهذا السبب غالبية سكانها يعتدون على بعضهم بالضرب والشتم حتى يحصلوا على سلة غذائية كل حين.

لكن وبيأس أسعى لتغيير مزاجي، ليس بالقراءة لأنها قد لا تجلب في هذه الحالة إلا النكد، لذا قمت بالتوجه للعمل في الأرض فهي المهنة الوحيدة التي لا تحتاج إلى تصريح في هذا البلد، لكنها قاسية كقساوة هذه البلاد وتحتاج الى سبعة أرواح حين يكون لك جار حنون مثل ”أبو خلدون“، يدخل بمعزاياته سراً لحقلك لتعيث فيها الخراب، وهذا ما حدث بالفعل، وحين سألته سبب هذه الأذيّة قال باستغراب: «بالأملية يا قرابة، تعرف أن العلف غالي والتبن غالي، قلت في نفسي بالأملية إن سرحت في أرضك لن يزعجك ذلك .. نحن جيران يا قرابة … (تك ، تك .. هش يا حقيرة ، آسف فهذه المعزاية لا تستحي وتقاطعني دوماً لكنها تعرف طعمة فمها فهي تحب أكل أوراق الزيتون)».

سكت قليلا ثم أكمل مبتسماً :

– عليك مباركتي فقدت عدت كرئيس لجمعية العلف

– وكيف عدت؟ ألم تكن رئيس للجمعية منذ أكثر من خمسة عشرة سنة؟

– نعم، ويبدو أنهم خبروا كفائتي وتمت إعادتي لمنصبي

غمغمت في سري وباركت له بحرارة، وبالأملية قلت في نفسي ما قاله ”كلير لاردينوي“: «غالباً ما يعاقبنا أولئك الذين أخطأوا».

ملاحظة: الأملية مصطلح حوراني يعني “بالمونة”

اقرأ أيضاً : الفاجعة كبيرة و الأمل في المعزاية – شاهر جوهر

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *