المناضلة اللاعنفية ومؤسسة جامعة اللاعنف “أوغاريت يونان” في حوار مع سناك سوري عن العنف واللاعنف

الدكتور أوغاريت يونان خلال محاضرة في الجامعة

أوغاريت يونان لـ سناك سوري: الإنسان ليس عنيفاً العنف في مجتمعاتنا سببه التربية والبيئة
“يونان” كل لاعنفي مع قضية فلسطين حتماً
يونان: اللاعنف يخاطب أقوى قوة في الإنسان .. قوة الضمير
يونان: الحراك اللبناني يلامس الثورة، وعليه تحديد زاوية القوة
يونان: الخصم ليس عدواً

سناك سوري – بلال سليطين

يبدو اللاعنف مفهوماً مجهولاً لدى كثيرين في منطقتنا، وينظرون له على أنه استسلام وخنوع، بينما يرفض ذلك حملة رايته ويقولون إنه مواجهة ويمضون في الدفاع عن هذا المفهوم ونشره في بيئاتنا المعجونة بالعنف من التنشئة الأولى للأطفال وصولاً إلى البطولة في المجتمع.
في هذا الحوار مع المناضلة اللاعنفية ومؤسسة جامعة اللاعنف الدكتورة “أوغاريت يونان” نحاول الغوص أكثر في هذا المفهوم، وخلفياته، وأدواته على الأرض. وهذا نصه:

* ماهو اللاعنف؟

** المفردة تكرّست مع غاندي الذي حوّلها إلى مفهوم بلوره فلسفياً وربطه باستراتيجية التغيير.
وهو مفهوم يقوم على اللا للعنف بكل أشكاله، عنف الذات وعنف الآخرين، وعلى مواجهة الظلم. اللاعنف لا يرفض العنف وحسب بل يواجهه لاستبداله بالعدالة؛ من دون مواجهة وخوض الصراع يفقد اللاعنف جوهره. وهو رفض الأذية، فاللاعنفي يرفض الوصول إلى هدفه من خلال الأذية؛ يقول غاندي: الغاية والوسيلة مترابطان ترابط الشجرة بالبذرة (الغاية في الوسيلة).

هل ترى كم أن معنى اللاعنف جذريّ للتغيير، وكم أن قلّة المعرفة به والإشاعات حوله قد شوّهته!

* لماذا تدعون الناس لاختيار اللاعنف… يقولون إن طريقه طويل مقارنة بما يستطيع الإنسان تحقيقه بالعنف، فبالعنف يتمكن من الاخضاع والإخافة بسرعة؟

** هل تريدني أن أدعو الناس إلى العنف! حتّى لو لم يثمر اللاعنف أحياناً، فخياري يبقى اللاعنف.

العنف ليس أسرع، واللاعنف ليس أبطأ. إطلاقاً. ألا ترى منطقتنا وأساليب التغيير التي اعتمدت العنف منذ عقود؟ وما النتيجة وأين السرعة؟
العنف يعطي نتيجة بالتأكيد، لكنها نتيجة تشبهه، فهل هذا ما نريد؟ إضرب طفلك لكي تمنعه عن فعل ما، ربما يمتنع الآن، لكن ماذا بعد ذلك؟ ما النتائج اللاحقة على شخصية الطفل، أبعد من النتيجة الآنية؟ يمتثل الآن، لكن بذلك يُزرع الغضب بداخله، يتعلّم الضرب وأن العنف يفيد، ويبدأ خطوات المضي في سلسلة العنف ولاحقاً ربّما يضرب من ضربه…
في الحرب والصراعات المسلّحة، ونتائجها التدمير والإيلام والقتلى والجرحى والمعوّقين والمشوّهين والمفقودين والديون والتهجير واللاجئين والحقد وكلفة إعادة الإعمار إلخ، حتّى لو حقّقت انتصارات عسكرية، فأين السرعة فيها وما هي هذه النتائج وآثار الأذى تمتدّ لأجيال وأجيال؟ ثمّ إن البلدان التي تتحرّر باللاعنف، مثل الهند مع غاندي، تكون خسائرها البشرية محدودة جداً مقارنةً بتلك التي تتحرّر بالعنف، والأمثلة عديدة في التاريخ البعيد والقريب.

العنف حلقة لا تنتهي، بكلفة تسحق الحاضر والمستقبل. في اللاعنف، لا ننظر إلى الوسيلة أو الاستراتيجية بما تقدّمه في اللحظة الحاضرة فقط، بل في المدى.

* يعمل العنف على الإخضاع ويحرّض مشاعر الخوف عند الآخر، ماذا يحرّض اللاعنف؟

** سأختار أعمق نقطة يعمل عليها أو يتوجّه إليها اللاعنف: الضمير. يخاطب الضمير، ويراه منقذاً للبشرية، لذلك يعمل على إنعاشه عند المتحرّكين كما عند الخصم. القساة والطغاة وسواهم لديهم ضمير، هذا في طبيعة الإنسان، كل إنسان، وهو لا يزول، يخفت نعم، يكسل ويضعف ويغفو، لكنه يعود وينتعش عندما نُحسن تحريضه أي إيقاظ الإنسانية والعدالة فيه لأن من نقطة الضمير يبدأ رفض الظلم وتنطلق روح التغيير. الضمير هو الميدان الأساسي الذي يعمل عليه اللاعنفيون. نقطة أخرى أساسية يعمل عليها اللاعنف، هي ميدان الضغط على مصالح الخصم، للتأثير في حساباته وفي مكامن نفوذه كي يعود عن ظلمه ولاعدالته وكي يحرّر حقوقنا من هيمنته.

* الشائع بين الناس أن الإنسان يولد عنيفاً، لكنكم لا تؤيّدون هذه النظرية، لماذا؟

**يولد الإنسان ولديه مقدرتان، مقدرة العنف ومقدرة اللاعنف. وكما أثبت العلماء الذين دحضوا نظريات أن العنف هو في طبيعة الإنسان: “ما من سلوك بشريّ إلا ويمكن للتربية والتدرّب وللبيئة المحيطة التأثير فيه بما في ذلك الجينات”. إذن، الأمل موجود، وما علينا سوى أن نعتني بالتربية والتنشئة والبيئة المحيطة والتدريب المستمر، من أجل دعم الإنسان كي يتمكّن من تغليب مقدرة اللاعنف فيه واعتماده خياراً له في الحياة ككلّ. لا تختفي مقدرة العنف ولا نقول إن الإنسان ليس عنيفاً ولا مقدرة له على العنف، بل نقول إن الإمكانية المتاحة أمامنا هائلة في زرع الأجواء التي تساعدنا في تغليب مقدرة اللاعنف فينا، كي تصبح “طبيعة شبه وحيدة فينا”.
اخيتار العنف أو الانجرار فيه يأتي أيضاً من الاعتياد عليه، فالعادة تتحوّل إلى “طبيعة ثانية وثابتة” كما يقول علماء النفس الاجتماعي. عندما تولد في مكان حيث السلطة فيه عنيفة، والقوانين عنيفة، والتقاليد تمجّد العنف، وممارسات العنف على أنواعها من حولك، ستقع في العنف، خصوصاً عندما يعلّمونك أنه شجاعة وبطولة.
بالتالي، نحن نرى أن المسار التربوي أساسي في خيارات الإنسان، ومن هنا نقول إن إمكانية تصحيح المسار كبيرة جداً وعلينا العمل على تغيير المسارات العنفية وخلق أخرى لاعنفية. وعلينا أن نصدّق بأن المجتمعات تتغيّر إلى الأفضل حتّى ولو بدا المشهد حالكاً وخانقاً لعقود وربّما قرون، ونحن في منطقة تعي كلّ هذا في تاريخها الماضي والحاضر. الأمل أمامنا، بنظرة اللاعنف الواقعية والشجاعة.

* هل مشروعكم “جامعة اللاعنف AUNOHR” جزء من العمل على تغيير المسار؟

** بالتأكيد، وأنت تعلم أننا أسّسناها تتويجاً لمسيرة فكرية ونضالية لأكثر من ثلاثين عاماً، خضتها مع الدكتور “وليد صلَيبي” رفيق الدرب في الحياة والفكر والنضال، من أجل زرع ونشر ومأسسة ثقافة اللاعنف وصولاً إلى بناء جامعة تحمل مباشرةً اسم اللاعنف www.aunohr.edu.lb. أردنا أن تكون للاحتراف الأكاديمي وللتغيير المجتمعي معاً.

ليس الهدف أن تكون مؤسّسة جامعية وفيها دروس وشهادات، بل أن تعمل على تزويد الطلاب والمتدربين فيها، بمهارات عالية المستوى للاقتدار النظري والعملي، وأن ينطلقوا منها طاقات فاعلة ورائدة للتغيير في مجتمعاتهم وفي أماكن عملهم ونشاطهم ونضالهم. وبجانب هذا، أن تدعمهم للتغيير في الذات أولاً، وهذا ما نصرّ عليه بالأولوية، وقد بنينا المناهج وكل مادة فيها على هذا الأساس. أسلوب التعلّم يعكس فلسفتنا التربوية، وهو ما يلفت الطلاب بعمق، فهو غير تقليدي ومبتكِر لعشرات الطرائق التي تواكب سائر المواد.

أمام استمرار تهميش ثقافة اللاعنف، وأمام نشرها لاسيّما في الظروف الحالية باجتزاء وتحوير وأحياناً بخفة، وأمام الاحتراف الهائل في سياسات وأدوات العنف و”ثقافة” العنف، كان لا بدّ من بناء ثقافة اللاعنف بأدوات احترافية ومراجع وطرائق ومواد تربوية وأكاديمية ومشاريع عملية وإبداعات قديرة على مواجهة عالم العنف. هذا ما سعينا إليه وابتكرنا فيه على مدى سنوات، والآن مع الجامعة التي هي أولى من نوعها وفريدة محلياً وعالمياً.

نسعى من خلال الجامعة لتوسيع البيكار وزرع البذرة في أماكن مختلفة كي تنمو وينمو معها التفكير بالأدوات والأفكار المجدِّدة لمجتمعاتنا والقائمة على المبادرة والمواجهة في كل مكان ممكن. وقد نجحنا في الوصول إلى شرائح مختلفة من تربويين، قانونيين، إعلاميين، نشطاء، سياسيين، مجتمع مدني، شركات خاصة، رجال دين، وغيرهم من الطلاب الذين باتوا يحملون رسالة اللاعنف وأدواته العملية إلى مجالات عملهم وأماكنهم، والطالبات والطلاب اليوم هم من العراق وسوريا ومصر والأردن ولبنان ومن داخل فلسطين المحتلة.

* بما أنك ذكرت فلسطين المحتلة، ما هو الموقف من قضية فلسطين؟

**اللاعنف دائماً مع العدالة وضدّ الظلم، وأكثر من ذلك لا يكتمل إلا بمواجهة الظلم. أي شخص لاعنفي يكون مع قضية فلسطين حكماً، ومن وجهة نظرنا لا يمكن الوصول للعدالة والسلام إلا من خلال طرق العدالة والسلام.
في هذا الإطار وباختصار، أودّ أن أحيلك إلى كتاب الدكتور وليد صلَيبي، الفلسفي-الاستراتيجي بأسلوب مبسّط، الذي قدّم فيه مقارنة موثّقة وعلمية بين انتفاضة الحجارة وانتفاضة الأقصى، ووضع له عنواناً اعتبره أهل فلسطين والمناضلون الجدّيون إنقاذياً ويختصر كل الفعالية التي يطمحون لها: “نعم للمقاومة لا للعنف”. نحن باللاعنف لا نرفض العنف ولا ننادي باللاعنف وحسب، بل علينا تقديم البدائل وتأسيس المراجع اللاعنفية باللغة العربية كي يرتكز عليها الناس هنا، وهذا الكتاب مثلاً، المترجم إلى الإنكليزية أيضاً، اعتمده كثُر في فلسطين في نضالات وفي التوعية العامة للشباب وكذلك في جامعات.

* من أي منطق يرفض اللاعنف حكم الإعدام؟

**عقوبة الإعدام تقتل. تعطينا جثة. هي عقوبة قانونية، لكنها تحكم بالقتل! والموقف منها لا يمكن إلا أن يكون جذرياً. أرفض أن أقتل، أرفض أن أؤيّد القتل، أرفض أن يكون الموت والقتل في القانون وأن تصدر أحكامه باسم الشعب، وأرفض أن تكون دولتي تحكم بالقتل.

فلننتبه جيداً، “جريمتان لا تصنعان عدالة” (وليد صلَيبي)، والموقف لا يجوز أن ينبع من ردّة فعل على جريمة، فأنا لستُ مرآة أو ببغاء.

النظرة اللاعنفية تقوم في الأساس على رفض الجريمة أولاً وعلى استبدال حكم الإعدام عبر أنسنة العقوبة.

* هل هذا يعني عدم معاقبة مرتكب جرم على جريمته؟

** معقول! هل تعتقد أن اللاعنف هو هذا الجبان الذي يترك العنف والظلم ويقف جانباً يساير المرتكب!؟

مؤسِّسا جامعة اللاعنف وليد صلَيبي وأوغاريت يونان

كلّ خطأ له وعليه مسؤولية. تحمّل المسؤولية هو القاعدة. لكن ليس بحجّة المسؤولية نفتح الباب أمام الرد على القتل بالقتل وعلى الجريمة الأولى بجريمة ثانية هي الإعدام. ليس بحجّة المسؤولية نبرّر لأنفسنا العنف والاقتصاص بالإعدام. تبرير العنف هو أخطر من العنف نفسه.

هو يقتل (أو هي)، وأنت تقتل، ما الفرق؟ المجتمعات والدول ومناهضو الإعدام اجتهدوا وابتكروا عشرات الوسائل والآليات القانونية والمجتمعية لتحميل المسؤولية، غير عقوبة الإعدام. ويبقى إذن أن نتعرّف ونكتشف ونرى ما يناسبنا هنا.

وكما يقول الدكتور وليد صلَيبي: “عقوبة الإعدام هي حكم مطلق على مسؤولية نسبية”. ويضيف “هي تنصّل ثلاثي من المسؤولية من قِبل الدولة: تنصّل من معالجة أسباب الجريمة والحدّ منها، تنصّل من تأهيل القاتل وحماية حقوق ذويه وتحسين أوضاع السجون، وتنصّل من الاهتمام بحقوق ضحيّة الجريمة الأولى وذويها”.
أضف إلى ذلك أن مرتكب فعل القتل هو ضحية المجتمع والظروف المحيطة، عندما يتربّى مثلاً على تمجيد العنف والثأر والإلغاء والإقصاء، وحين يقع تحت وطأة الفقر وهو السبب الأول عالمياً للجريمة، وظروف الحروب ثمّ العنصرية والطائفية وتعزيز التعصّب والحقد ثمّ الانتهاكات الطفولية والإعلام وألعاب العنف إلخ، عندها يرتكب من يضعف أمام هذه الظروف (ولحسن الحظ أن هذا الضعف لا يصيب الجميع ولو كانوا في الظروف عينها)، يرتكب جريمة، فنحمّله المسؤولية منفرداً ! هذا نقيض العدالة.

الأساس هو أن لا نعالج العنف بالعنف؛ ألم نتعلّم بعد! 141 دولة في العالم ألغت لغاية اليوم عقوبة الإعدام، فماذا ننتظر في مجتمعاتنا هنا؟

* دعينا ننتقل إلى ما يشهده لبنان الآن. كيف تنظرين للأدوات والاستراتيجيات المستخدمة في الحراك اللبناني حتى الآن؟

**الحراك اللبناني اليوم هو روح منتفضة تلامس الثورة. إنه إنجاز ضخم أعلن بشكل أساسي “القطع” مع الماضي المتراكم من تاريخ الحرب والطائفية والفساد والإفقار. المشهد بدأ بتعبير وثورة غضب، وملأ الناس الساحات سلميين، مستعرضين مجمل القضايا والحقوق والمظالم، وبنبض حيوي متواصل لغاية اليوم، وهذه مرحلة أولى جوهرية وضرورية للتقدّم بعدها إلى الأمام.

* ماذا عن الاستراتيجية؟

** أن تبقى الحركة المنتفضة في أنماط التعبير والاحتجاج و”فلش” القضايا، وبالأخص في ردّة الفعل إزاء قرارات السلطة وفي وضعية انتظار قرارات السلطة التي انتفض الناس أساساً بوجهها، أن تبقى في هذه المرحلة من دون استراتيجيا “إلى الأمام”، هذا خطر عليها، والاستراتيجيا ليست بالطبع مجموعة المطالب ولا الأنشطة، بل هي الحبكة والذكاء التخطيطي لكيفية التحرك والوصول إلى إنجازات مع الاحتفاظ بسلمية المجتمع. لذا نسأل عن المرحلة التالية، ومرتكزها الأساس برأيي هو: صون دائم وواعٍ للوحدة بوجه احتمالات الطائفية والمذهبية، ومعه تكتّل عارم حول مطلب – نقطة مفصلية يتمّ اختيارها بدقة، ليس من باب المفاضلة بينها وبين أي مطلب آخر، بل اختيارها كي تكون أول إنجاز ملموس لحقوق الناس يرسم سكّة التغيير للحقوق الأخرى. إذن اختياره والتأطر حوله والتصعيد باتجاه إنجازه لجعله مكسباً ملموساً وحلقة في سلسلة حلقات تنقل الانتفاضة بتدرّج متين من مرحلة إلى أخرى مع ثمرات تصبح في اليد.

سمعتُ كثُر وسألني العديد من الناشطين عن بناء استراتيجية ثورة أو انتفاضة، وحتّى عن بلورة شكل ما لتنظيم التصعيد. هناك عشرات الأشكال التنظيمية التي من الضروري جداً أن يختار ويتوافق الحراك على واحدة منها أو أكثر ولا يترك نفسه خارج أي تنظيم، ومن دون حاجة إلى “قائد” بالطبع.

اللحظة التاريخية لانتفاضة الشعب اللبناني ما زالت هي القوة الجبارة إلى الآن، وما زالت أقوى من اللحظة التاريخية لبنية من يدير أو ينشط في الحراك، لذا من الضروري جداً عدم ضياع لحظة الشعب، وهذه مسؤولية على المجموعات المتحرّكة وعلينا جميعاً فحركة الناس ليست ملكاً لأحد.

* هل هذا انتقاد للحراك اللبناني؟

** النقد مسألة صحية، ونحن نناضل مع الشعب. هذا حرص ورغبة في إنجاح انتفاضة الناس، فالحاجة هي فعلاً إلى ثورة وهذه يتمّ بناؤها ومعاً.

اقرأ أيضاً مثلث العنف – ناجي سعيد

* لكن هناك رأي يقول إن اختيار مطلب محدد هو إضعاف لفكرة التغيير الشامل؟

** ليس هناك من قاعدة مطلقة، ولا تعارض بين النظرة الشاملة وتحديد المطالب. بالنسبة إلى المشهد اللبناني اليوم، الانتفاضة بذاتها تتطلّب هذه الاستراتيجية، حيث أعلنت الاحتجاج الشامل وتقدّمت بلائحة مطالب (ولو من دون اتفاق جماعي على كل شيئ بين المجموعات)، وهي هنا في إطار النظرة الشاملة للتغيير. وفي الوقت عينه، تحدّد التحرّك وبضغط لاعنفي قوي في نقطة مفصلية وجزئية لإنجاز أول حق من الحقوق المطروحة. وهكذا دواليك.

أنظر مثلاً إلى حركة السود في أميركا لإلغاء العنصرية، ناضلت لنزع شامل للعنصرية وفشلت، ثمّ تحركت على مستوى كل أميركا وفشلت، وعلى مستوى المطلب السياسي أولاً وفشلت، ثمّ على مستوى كل الحقوق وفشلت، ثم اختارت مطلب عدم التمييز العنصري في الباصات، أي مطلباً جزئياً، لكنها تحرّكت في كل الولايات وفشلت، وأخيراً أطلقت حملة مقاطعة الباصات في ولاية واحدة فقط بعد دراسة دقيقة للنجاح، وهذا ما تحقّق. وبعدها كرّت السبحة. وفي عدد محدود من السنوات توصّلت حركة الحقوق المدنية للسود مع مارتن لوثر كينغ إلى إلغاء جميع أشكال التمييز العنصري من الدستور. اختيار مطلب الباصات وفي ولاية واحدة كان النقطة المفصلية الذكية. الشعوب لا تقلّد وتستعير الأفكار “نسخة طبق الأصل”، بل تتعلّم منها الدروس.

* لكن في ثورة السود وفي تحرك الباصات كان هناك تواصل بين مارتن لوثر كينغ والسلطات، حيث حاورهم وجلس معهم على الطاولة حتى مع شركة الباصات، وفي لبنان هناك مزاج عام رافض للجلوس مع السلطة؟

**الخصم ليس عدواً لا نحدّثه ولا نتواصل معه، وفي مشهد لبنان اليوم هو سلطة، مجموعة سلطات، وعليهم مسؤوليات وحقوق الناس تُدار بين أيديهم. ثمّ إن الخصم أو من نحتج بوجهه، أياً كان، هو إنسان ودوماً لدينا القدرة للتأثير عليه خاصةً في التواصل المباشر واللاعنفي. ندرس متى وكيف وفي أي ظرف وفي أي مرحلة من التحرّك ولأيّ هدف، لكن رفض التحدّث هكذا، لا أعرف ما المغزى منه.
في المسار اللاعنفي، نضع خطة للتحرك يكون بين بنودها محطات للاتصال بالخصم وفي كل مرة لهدف استراتيجي محدد، مع إنذار أخير ومباشر في حال لم يتجاوب للمطالب، ولدينا عندها وسائل كثيرة لمواصلة الضغط المدني وإعادة رسم موازين القوى. حتّى في اتصالنا به، لا نذهب لمسايرته أو طلب الإذن لإنجاز حقوقنا، فنحن منتفضون وبيدنا قوة الشعب. نضع بين يديه بتفصيل دقيق ومباشر كل المظالم القائمة ونحدد المطالب ونقدّم البدائل ونضع المعايير والشروط، ونحمّله المسؤولية، لكن من دون كلام عنيف وافتراضات غير مثبتة وشتائم وتعميم إلخ. في أي صراع، حتّى العنفي، يتمّ تبادل الرسائل وينتعش دور الوسطاء وتقوم التفاوضات. لا ينبغي أن يشكّل هذا سؤالاً أو مادة نغرق بالتلهّي بها.

أكثر من ذلك، نقدّم نحن الحلول للسلطة، ولا نترك الكرة في ملعبها ونضع أنفسنا في ردّة الفعل والانتظار، ومن قال إن السلطة لديها دوماً الحلول وبالأخص الحلول الحضارية والعادلة واللاطائفية واللاعنفية. على سبيل المثال، أنا أطالب سلطة طائفية بتعديل النظام أو القوانين الطائفية، فكيف أنتظر منها حلولاً لاطائفية!

الاتصال بالخصم لم يكن يوماً، تنازلاً أو ضعفاً أو “خيانة” إلخ. فهذا النمط من التفكير ورثناه من تنشئة العنف. نحن لا نلغي الآخر ولا ندعو إلى إلغائه، ولا نقبل أن يلغينا. وكلّه ضمن مسار اللاعنف. هذا هو الأساس.

اقرأ أيضاً لطالما فكرت أن أكون لاعنفياً – ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع