سناك ساخريوميات مواطن

السوري المغترب يشتري ذكرى بلاده بباكيت حمرا ومكدوس

أطفأت الأنوار وجلست أنتظر عودة الإنترنت.. ثم تذكرت

لم أصدّق أذني حين سمعت أحد أقربائي المقيم في دولة الإمارات منذ عامين. وهو يجيب على سؤالي: “شو جبلك معي من سوريا؟!”. بأنه لا يريد سوى “باكيت حمرا قديمة”. لبرهة اعتقدت أنه يمزح، فأعدت السؤال وأجاب نفس الإجابة.

سناك سوري- ميس الريم شحرور

صديقتي أرادت إرسال تذكار لخطيبها المغترب منذ سنوات خمس في الإمارات. فكّرت مطوّلاً قبل أن تختار ما ترسله. فكلّ شيء هناك متوفر وبكثرة. ثمّ اختارت إرسال “3 كيلو مكدوس”. حمّلتني إياها في الشنتة التي ما إن فتحتها عند وصولي حتى فاحت منها رائحة الثوم.

بصمة عين جديدة

وضعت قدمي في أرض مطار الشارقة الدولي، وإذا برتل من البشر المصطفين بدقة لا متناهية يقفون وراء بعضهم.

و”بحكم عادة يلي بيسبق بيلحق” أخذت أتنافس مع صديقتي السورية للوصول إلى الشباك قبلها. لكن علا صوت الرجل الذي ينظم الدور. “كلكم عرب وبتفهموا عربي، وقفوا بالدور”.

هنا ضحكت طويلاً قبل أن أنتبه لمفعول الوقوف في آخر الصف ومراقبة ما يفعله الناس الذين اعتادوا النظام. كان عليّ تسجيل بصمة العين (وهي طريقة للتعرف على المسافرين باعتبار أن تغييرها مستحيل). سجلت بصمتي وخرجت، دون أن أعلم أو يعلم أمن المطار حتى بصمة العين بإمكانها أن تتغير. تبعاً لما ستراه من أهوال نحسبها أحلاماً وهي واقع.

وبمجرد دخولي إلى البناية ضغطت على زر المصعد الذي يتسع لخمسة أفراد. ولكم أن تتخيلوا ما حدث. قبل مضي الثانية فتح باب المصعد وفيه كمية أنوار تكفي لإضاءة منزلنا ليلة كاملة. حاولت إطفاء الإضاءة لكنني عجزت، ولشدة الوهج أغمضت عيني لئلا يطال الحدقة مكروه من شدة توسعها.

لكنّ أضواء المصعد كانت “بروڤا” للأضواء التي ستلاحقني فيما بعد في كل مكان. من السيارات والأبنية والمحال والطرقات التي تتحول عند المساء إلى لوحات مضيئة. فتذكرت أن فتاة توفت مساء الأمس بـ نفق في بلادي لأن النفق مظلم.

وهكذا قررت أن أطفئ الضوء عن غرفتي لئلّا أشعر بالاغتراب منذ اليوم الأول.

انتظرت ثم تذكرت

أمسكت هاتفي وبدأت بتصفح المواقع، لكنني لاحظت أن خطباً ما يصيب الإنترنت. على سبيل المثال كنت أحمل تطبيقاً من google play فلم يستغرق أكثر من طرفة عين ليظهر “تم التحميل”. تخيلت أن الوقت هنا يمضي بسرعة وربما مر الوقت ومن شدة التعب تحولت طرفة العين إلى غفوة.

وحين أردت الاستماع إلى أغنية “احكيلي عن بلدي”. ذهبت إلى المطبخ تاركة الجوال في غرفة النوم. لم أغب أكثر من دقيقتين لأكتشف أن الأغنية على وشك الانتهاء. اعتقدت أن العلة بالراوتر الذي ربما تطفل على قطار “إيلون ماسك” للإنترنت. ثم تذكرت أنّ هذه هي الحالة الطبيعية للإنترنت. وما نراه في سوريا لم يكن أكثر من “كابل بحري يعضه القرش“.

لحظة إدراكي لحقيقة الأشياء من حولي شعرت بالاغتراب. وفهمت كيف أن السوري يشتري “مكدوس” و “باكيت حمرا طويلة” بلاده بأنوار وإنترنت العالم. وخضرا يا بلادي خضرا.

 

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

زر الذهاب إلى الأعلى