استراتيجية وموعد تغيير الحكومة السورية

الحكومة الحالية في طريقها لتصبح بحكم المستقيلة

سناك سوري – بلال سليطين

قبل عام وبضعة أيام شهدت سوريا تعديلاً حكومياً واسعاً شمل قرابة 10 وزراء، كان من أبرزهم آنذاك وزير الداخلية والصناعة والسياحة، وكان سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار حينها 550 ليرة، الآن أصبح 800، وهذا التغيير كان مطلباً شعبياً بالمناسبة.
ولم يمض 5 أشهر حتى بدأ الحديث عن تغيير حكومي في البلاد وليس تعديلاً حكومياً، وكان هذا الطرح حينها غير منطقي وبعيداً عن الواقعية، على اعتبار أن منهجية التعامل مع الحكومات في سوريا تقوم على الاستقرار الحكومي لقرابة سنوات مع تعديلات بسيطة عليها كل عام واذا كان من الضرورة فتعديل واسع كل عامين.
يستثنى من هذه المنهجية حكومة عادل سفر التي لم تدم سوى أشهر قبل أن تحل محلها حكومة رياض حجاب التي ظلت معظم شخصياتها صامدة رغم4 انشقاق رئيسها.
خلال الأيام الماضية عاد الحديث عن تشكيل حكومي جديد، وكان لافتاً أن التشكيلة التي أعلنت أنها ستمثل الحكومة القادمة تضمنت سقطات مضحكة، كأن يكون من ضمنها “وزير شؤون البعث” وهي وزارة لم تستحدث في ظل المادة الثامنة التي قاد الحزب بموجبها الدولة والمجتمع من عام 1963 حتى عام 2011، فكيف سيتم استحداثها وقد ألغى الدستور الجديد قيادة البعث للدولة والمجتمع، وإن كان البعث مازال متغلغلاً ومسيطراً في مؤسسات الدولة إلا أنه لا يمكن له أن يستحدث وزارة له.
رغم الخلل الكبير في إعلان قرب التعديل الحكومي وتسمية والأسماء والوزارات المتداولة، فإن الشائعة انتشرت على نطاق واسع، وهذا الانتشار يعكس السخط الشعبي على الحكومة الحالية والرغبة في تغييرها، ظناً من الناس أن تغيير الحكومة قد يحل المشكلات المعيشية والاقتصادية والاجتماعية ويحد من الفساد والهدر وووإلخ.
إنه لمن المؤكد والمحسوم أن هذه الحكومة باقية حتى شهر نيسان القادم على أقل تقدير، وهو موعد نهاية ولاية مجلس الشعب الحالي، وبمجرد حصول انتخابات جديدة تعد الحكومة بحكم المستقيلة وفق المادة 125 من الدستور السوري ، ومن غير المنطقي تشكيل حكومة اليوم تعيش 5 أشهر ومن ثم يتم تغييرها، فحركة السلطة في سوريا بطيئة جداً، وإجراءات أي تغيير من هذا النوع تحتاج وقتاً طويلاً، فعلى سبيل المثال زيادة الرواتب احتاجت 6 أشهر من البحث، ويمكن القول إن تشكيلة حكومة بعد الانتخابات هي مايتم بحثه والتحضير له من الآن.
كما أن منهجية تغيير الحكومة في سوريا يسبقها مجموعة خطوات تحدث تغييراً واسعاً على صعيد توزيع المناصب في البلاد من المحليات إلى الهرم الحكومي، طبعاً هذا التغيير لا يشمل القوى الرئيسية أو مايعرف بالدولة العميقة.
حيث تبدأ العملية من قواعد الحزب (رغم تغير الدستور)، حيث التغييرات في القواعد الحزبية “شعب وفرق” وبعدها “الفروع الحزبية” ومن ثم القيادة المركزية، وبالتالي يتم فرز قيادات جديدة في الحزب وحفاظ على شخصيات، ومن ثم تبدأ عملية داخل الحزب لاختيار مرشحيه لمجلس الشعب، ومن ثم انتخابات مجلس وتكليف حكومة جديد، يتبعها تغيير على صعيد المحافظين.
واختيار الحكومة والمحافظين والنواب، خاضع لإرادة الحزب ومنظومة القوى التي بناها أو التي يرتكز عليها في توزيع المسؤوليات وفق منهجية خاصة به معمول بها منذ عقود طويلة.
وما سبق لايعني أن هذه طريقة التغييرات الوحيدة، فهناك تغييرات طارئة قد تحدث، مثل تغيير محافظ أو اثنين، أو تعديل وزير..إلخ، إلا أن طريقة التغيير هذه دورية.
ولكن المتغير الأبرز في هذه العملية هو الهامش أو الفرصة التي يحصل عليها أعضاء المجالس المحلية، والذين يستفيدون بشكل كبير من تغيير المحافظين الذين يدين معظمهم لهم بالولاء، على اعتبار أن المحافظ عضو قيادة فرع حزب ويلعب دوراً بارزاً في اختيار المرشحين للمجالس المحلية، وبالتالي تغيير المحافظين يحرر أعضاء المجالس المحلية نسبياً من ولائهم لمن ساهم في وصولهم.
من وجهة نظر مؤمنة بالإدارة المحلية والتنمية المحلية، فإن أي عملية تغيير أو تحسين للواقع في سوريا لايمكن أن تنجح إلا إذا انطلقت من المحليات، فنهضة المحليات تنعكس بلا أدنى شك على المجموع السوري، أما التغيير والنهضة المعمول عليها في المركز تكون حركتها بطيئة جداً وبالتالي انعكاسها على المحليات، وانطلاقاً من ذلك إن التغيير الحكومي في سوريا بشكله ومفهومه التقليديين لن يحدث أي فرق نوعي في سوريا، فربما تكون حكومة أفضل من سابقتها بقليل أو أسوأ بقليل، ولا يمكن أن تأتي حكومة متمايزة بفوارق كبيرة عن سابقاتها إذا ماجاءت بنفس السياقات السابقة.
يضاف إلى ذلك عامل حاسم ومهم جداً هو عامل الحرب وتحول الحكومات في سوريا إلى أشبه بمدير أزمة، وإدارة الأزمة هنا هي التعامل معها وليست حلها، فالحكومات السورية عاجزة عن حل الأزمة ودورها فقط التعامل معها وإدارتها فهي لا تستطيع مثلاً توفير محروقات بقدر حاجة السوريين وإنما تدير توزيع الكمية المتوفرة لديها على السوريين.
إن أي تغيير حكومي في سوريا لايمكن أن يلبي طموحات السوريين ويحدث تغييراً في واقعهم، وأي تغيير في سوريا إذا كان متاحاً في ظل ظرف الحصار والعقوبات والتدخلات الدولية وعقلية السلطة الراهنة فإنه سيكون بطيئاً جداً، أكثر من بطء الانترنت في البلاد، وإن كان الانترنت تحسن بتصريحات المسؤولين فإن الليرة ستعود إلى قوتها بتغيير الحكومة (سمايل أبو غمزة)، وتحسن الواقع المعيشي والاقتصادي محكوم بالسياسة والتوافقات السياسية الداخلية والدولية من جهة، وهو متأثر بالمحيط من لبنان إلى العراق وتركيا، وقبل كل ذلك هو محكوم بالعقلية التي تدير الملف المعيشي والاقتصادي وحتى السياسي ونظرتها للمحليات ولعملية الإنتاج والموارد المتاحة والآخر.

اقرأ أيضاً شائعة تغيير الحكومة… معقول تتغير ورئيسها لسا ما “مارس متعته بمحاربة الفساد”

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع