يلي بيضربك اضربوا.. عبارة قد تودي بحياة أولادكم بالمدرسة

طالبان يدفعان بغضهما أثناء اللعب في باحة المدرسة

من حيث لا ندري.. البعض منا يزيد من خطر تعرض أطفاله لمزيد من العنف في المدارس

سناك سوري-السويداء: رهان حبيب، دمشق: لينا ديوب، الحسكة: عبد العظيم عبدالله، طرطوس: نورس علي

«يلي بيضربك اضربوا»، نقلل كثيراً من سوء نتائج هذه العبارة، التي يستخدمها أهالي كُثر مع أطفالهم، حين يتعرضون إلى الضرب في المدرسة أو مكان اللعب على يد زملائهم، دون أن ندرك مدى عمق تأثيرها في أذهان أطفالنا، سواء على المدى القريب أو البعيد.

حادثة وفاة طفل عقب شجار مع زميله في المدرسة، بمنطقة “مصياف” في محافظة “حماة”، شهر تشرين الأول الفائت، فتحت باب السؤال على ظاهرة العنف المدرسي، وما هي المسؤولية المترتبة على المدرسة والعائلة في حل هذه الظاهرة، أو على الأقل الحد منها، فهل من الممكن أن يتخيل أحدنا، أن عبارة واحدة قد تجعل من أطفالنا ضحايا محتملين!.

العنف بالعنف!

«ملابسه مغبرة وممزقة»، تصف الأم “ر.ش” حال عودة ولدها في الصف الثالث الإبتدائي، من أحد مدارس “السويداء”، عدة مرات في أسبوع واحد، وتضيف لـ”سناك سوري”: «كان قد دخل في عراك مع زملائه، وحين توجهت إلى المدرسة عدة مرات فشلت بإيجاد حل، بينما ألمحت لي إحدى المعلمات أن أعوّد طفلي على الدفاع عن نفسه، وبالفعل هذا ما فعلته، قبل أن أنجح بنقله إلى مدرسة أخرى»، إذاً لم تحل المشكلة بشكل جذري، وما نجا منه طفلها قد يتعرض له سواه.

بعد نصائح كثيرة وجهها الوالد “ق.ح” لولده في الصف السادس، بالتوجه إلى إدارة المدرسة في “السويداء”، لتقديم شكوى على زملائه بعد تعرضه للضرب منهم عدة مرات، يقول الوالد إنه «بعد فترة وجدت أننا نضيع الوقت، وكنت في كل مرة أطلب منه أن يواجه من يضربه وإن لم يتمكن هددته أني سأضربه».

لا ينكر الوالد أن أسلوبه هذا خاطئ، إلا أنه وجد لنفسه مبرراً، يقول: «مجبرون على تعليم أولادنا لمواجهة عنف الأطفال فسلوك بعض الأطفال عنيف لدرجة مخيفة، آخر المواقف، تمكن ابني من الدفاع عن نفسه ووجه ضربة قوية انقذته بأقل نسبة من الخدوش، وآثار الأسنان على رقبته لا تصدق أنها لطفل».

يلوم الوالد المدرسة لضعف إدارتها وعدم وجود إرشاد مناسب، ويضيف أنه لجأ إلى أهل الطفل الآخر واتفقا على مراقبة سلوك ولديهما، لحمايتهما، وهو حل منطقي نوعاً ما فالتربية هي الأساس أولاً وأخيراً.

اقرأ أيضاً: حمص: شجار في مدرسة ابتدائية ينتهي بطعن وإطلاق نار

اضربه واترك الأمر لي!

في “طرطوس”، تحديداً بإحدى القرى في ريف “بانياس”، يحاول الوالد “مهران ضوا” تهدئة ابنه في كل مرة يخبره فيها أن أحد زملائه قد ضربه، ويضيف الوالد لـ”سناك سوري”، أنه يقول لابنه وهو صغير في الصف التحضيري، أن يشتكي لإدارة المدرسة، وأنه لا يجب مقابلة الضرب بالضرب.

بعكسه فإن “م.ح” من سكان المدينة ذاتها، يؤكد على ابنه ألا يعود إلى المنزل باكياً نتيجة تلقيه الضرب، إنما عليه الانتقام ممن ضربه، ويترك تحمل الأمر على الوالد ذاته، وهذا للأسف أخطر ما في الأمر، فالوالد هنا لا يعلم ولده العنف فحسب، بل يعطيه كامل الدعم أيضاً!.

بالمدرسة عالجوا العنف بالعنف!

لجأت “حنيفة”، إلى إدارة مدرسة ابنها في الإعدادية بـ”دمشق”، بعد تعرضه للضرب على يد زميله، كما قالت وأضافت أنها استغربت رد فعل الموجهة التي أحضرت الطالب المعني وقامت بضربه أمامها، «لم أكن أريد من الموجهة أن تضرب زميل ابني ولا إهانته أمامي»، فإن كان لا مبرر للأهل معالجة العنف بالعنف، بالتأكيد فإن خطر هذا الأمر يتضاعف إن كان من المعلمين داخل المدرسة أنفسهم!.

مدرسة اللغة الإنكليزية، “زينب جبور”، تقول إن القوانين في المدرسة ليست لصالح المعلمين والمعلمات، والتصرف الوحيد مع الطلاب العنيفين هو ارسالهم الى المرشدة وهذا لا يثمر، «ونحن كمعلمات اقترحنا على التربية غرامة مالية على أهل الطالب، على أمل أن يكونوا حازمين مع أبناءهم».

في حين تشير المعلمة في مرحلة التعليم الأساسي “سهام بدر”، إلى ظاهرة خطرة، بقولها إن «إجابات الصغار عند سؤالهم لماذا تضرب زميلك أو زميلتك ولم تأت لتخبرني، يجيب بأن أبويه قالوا له أن يضرب من يضربه»!.

اقرأ أيضاً: ناشطون: معلّمة تضرب طالب وتصيبه برضوض في الرأس

الرقابة في المدرسة صعبة!

من الصعب تواجد رقابة ترافق الطلاب بشكل دائم في المدرسة، تقول المرشدة النفسية بإحدى مدارس “الحسكة”، “غزالة مرعي”، وتضيف لـ”سناك سوري”، أن دور المرشد النفسي، يجب أن يكون بالاستماع الدائم للطلاب ومحاولة تعديل سلوكهم، تضيف: «مثلا يقوم بالبحث عن دافع الطالب الذي اعتدى على زميله، والأهم طريقة العلاج بالحكمة والليونة وعدم استخدام الشدة والقسوة في العلاج، فقد يكون لضغط ناجم عن الجو الأسري المشحون بالخلافات أو ناتج عن معاملة قاسية تلقاها من المدرسين، لهذا من الضروري البحث عن الدافع لضبطه تدريجيا حتى يصل إلى مرحلة ضبط السلوك».

التعاون بين المرشد النفسي والكادر التدريسي والأهل، ضروري جداً وفق “مرعي”، خصوصاً بنشر ثقافة التسامح ونبذ العنف كل حسب دوره ومهمته.

العقوبة ليست حلاً!

يرى الدكتور “جميل الركاب” اختصاصي التحليل النفسي أن العنف في المدارس يعكس العديد من العوامل المختلفة داخل الأسرة والمجتمع، كالضغط النفسي والعنف والإحباط وضعف القوانين وتردي مستوى التعليم وكفاءة العاملين بالسلك التعليمي، والجهل والتخلف الاجتماعي.

“الركاب”، يؤكد لـ”سناك سوري أن طريقة التعامل الأمثل في مثل هذه الحالات، تكمن بوجود قوانين واضحة ومعلنة ومفهومة من كل المشاركين في العملية التعليمية، ويضيف أن «أي عمل يستهدف تخفيف العنف داخل المدارس يجب أن يأخذ بعين الاعتبار وجود بيئة مدرسية وصفية آمنة، تساعد الطلاب على الوصول لأفضل إمكانياتهم والعمل على تحقيقها، والانتقال لوسائل تعلم تشاركي تجعل التلاميذ داخل العملية التعليمية وليس على حدودها».

ويعتبر “الركاب” أن العقوبة ما هي إلا إعادة صناعة للعنف، ويمكن أن تزيد العنف وترفده بأسباب ودوافع جديدة، يضيف: «العقوبة ليس سلوكا مرغوبا، بل العمل على عوامل أخرى تشمل الاهتمام باحتياجات الطفل وتحويل المدرسة لبيئة أمنة مع العمل على القيم الاجتماعية المراد تكريسها والاهتمام بالأسر وبصحتها النفسية له الأولوية وإن كنا غير قادرين على ذلك فلا يعني أن نستسهل العقاب».

اقرأ أيضاً: سوريا: طفل يتعرض لضرب عنيف بالمدرسة والأهل يشتكون تعاطي الإدارة مع الموضوع

المنزل هو الأساس

المدرسة تعكس غالباً صورة العلاقات والسلوكيات داخل المنزل، بحسب “الركاب”، مضيفاً أن «التربية المنزلية العنيفة أو التي لا تحترم القوانين أو الأشخاص المشاركين في العملية التعليمية تعزز بشكل مباشر العنف في المدارس».

“الركاب”، أوضح كيفية تلقي الطفل للتربية المنزلية، بقوله إنه يتلقاها سواء «بشكل مباشر من خلال تعليم الأطفال من قبل ذويهم وتقديم الارشادات والاقتراحات لهم في حل مشاكلهم، أو من خلال مراقبة الأطفال لسلوكيات أهلهم. عندما يكون أحد الأبوين عنيفاً أو يعاني من اضطراب نفسي وخاصة الاضطرابات الذهانية أو اضطرابات التعاطي والادمان فهذا يزيد بشدة من عنف أطفالهم في المجتمع أو المدرسة».

دور المدرسة

الأهم بحسب “الركاب”، هو دور المنظومة التعليمية، «وهذا يمكن تحقيقه من خلال برامج واسعة كبرنامج الصحة النفسية في المدارس، والذي تم العمل عليه خلال السنوات الماضية من قبل منظمة الصحة العالمية ووزارة التربية في سوريا وغايته هي تأهيل المعلمين والمرشدين النفسيين في المدارس على التعرف على المؤشرات التي تشير لأن الطفل يعاني من اضطراب نفسي ما أو ضغط نفسي وتقديم التدخلات الأساسية ومن ثم التحويل للخدمات التخصصية النفسية عندما يكون هناك حاجة وهذا يشمل تقديم المشورة النفسية للطفل والأهل أو العلاج النفسي».

لتحمي طفلك في المدرسة، عليك حماية زملائه أيضاً، لتحقيق هذه المعادلة يجب الابتعاد فوراً عن تعليم أطفالنا الرد على العنف بالعنف، بل أن هناك قوانين يجب أن تحترم ومن خلالها فقط تكمن الحماية، ورغم الجهد الكبير الذي يتطلبه تحقيق تلك المعادلة سواء من الأهل أو المدرسة، فإن النتيجة تستحق، حماية أطفالنا وزملائهم من العنف والموت أمر يستحق الجهد دائماً.

اقرأ أيضاً: سوريا: وفاة طفل إثر مشاجرة مع زميله في المدرسة

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع