هوياتنا المكسورة في صور واستعراض فيسبوكي فارغ

"ناجي سعيد"

عن الهويات وعلاقة التكنولوجيا بالكشف عنها وتوضيح بعض الخلل في تشكلها

سناك سوري – ناجي سعيد

وفقاً لمراجع علمية فإن هويّة الإنسان مكوّنة من أربعة أقسام: العقلي/ الجسدي/ الروحي/ الإجتماعي. والإنسان بحاجة إلى العناية بالأقسام الأربعة كي يحصل على توازن أو إتّزان بهويّته الشخصية، والقصور في العناية بإحدى الأقسام يؤدّي حُكمًا إلى ضعضعة-كي لا نقول خللاً- في بناء هذه الشخصية، والمشكلة المنتشرة في المجتمعات، والتي لا يلحظها كثيرون، أن هذا النقص الناتج عن عدم تلبية حاجة – تخدم العناية بقسم من مكوّنات الهوية- غير مرئي بالتأكيد.
التشبيه الذي يخطر في بالي دائمًا، خلال حديثي عن تلبية الحاجات، كيف يُمكن لكوب الماء أن يظهر مُمتلئ السطح وقعره فارغ؟ فمن المعروف أن كبت المشاعر يصيب خلل في بناء الشخصية، فكيف الحال في الحاجات التي توّلد المشاعر عند تلبيتها أو عدمه. فتصبح الصورة كمن “يعرج” من مشاعر مكسورة ومحطّمة.
بنظرة خاطفة وعميقة على التكنولوجيا وتأثيرها السلبي على بناء الهوية، نجد غالبية الناس يتباهون بعرض صورهم وصور مناسباتهم الإجتماعية، على متن وسائل التواصل الإجتماعي، وذلك قبل تأكدهم من تلبية حاجات طبيعية تؤدّي إلى الإتّزان المنشود، وهنا تماماً يعبرون عن هذا الخلل بنسب متفاوتة، وهذا لايعني أن الجميع لديهم خلل فهناك من يتعاملون مع “العرض والاستعراض” بحدود المنطق والتوازن.
بالعودة للتكنولوجيا (الاجتماعية) كالفايسبوك مثلاً، وبنظرة علميّة هو جدار إلكتروني يتيح للجميع الكتابة عليه. وكُلٌّ يكتب ما يدور في خلده: نعوة، فرح، نجاح، تقدير، فخر، معارضة سياسية، معارضة إجتماعية.. وأعتقد أن مفهوم الكتابة على الجدران في شتّى أنحاء العالم، مرتبط بتفريغ آراء ومواقف مُنع أصحابها من البوح بها وإعلانها على الملأ. فأصبح الجدار هو الستارة التي تُخفي الفاعل ليلًا، لكنها تُفصح عن رأيه ومعارضته في الميادين، وأغلب الأحوال تكون المعارضة لنظام إجتماعي، سياسي أو ديني حتّى، على سبيل المثال كثير من ناشطي الدول العربية المقموعة يتحدثون هذه الأيام عن القمع في دول أخرى غير دولتهم الأم.

اقرأ أيضاً من يعطي الأوامر للدماغ بالحركة.. ناجي سعيد

الهويات المكسورة من الداخل

وبهذا الحال، أصبح إخفاء المشاعر إعتياديًّا، بسبب القمع الذي يحصل، فتنشأ نتيجة هذا القمع (الإجتماعي/ الديني/ السياسي) مجموعة ضوابط مُختلطة المصادر، تعمل على تشكيل هويّة شعبية يتقبّلها جميع الناس. بينما الحقيقة أنها ابتعدت جدًّا عن مفهوم “الشعبية”، فهي خُلاصة ردود فعل على القمع الحاصل في المُجتمعات. وهذا يُحدث إختلاط تعبير عن المشاعر كان مرفوضًا في بيئات شعبية تقليدية. فقديمًا، لم يكن التعبير عن مشاعر الفرح والحزن وما شابه يحدُث في المساحات العامة، فهذا شأن خاص ينتقل من الفردي إلى العائلي بحدٍ أقصى. لكنّ القمع الذي تكلّمت عنه سابقًا، وعلى الأصعدة كافةً، فكّ أسر استعراض المشاعر الخاصة ورماها في جُعبة المساحات العامة، كي لا يلتفت أحد أو ينتبه إلى الظلم والقمع الحاصلين. ويُبرّر الناس ذلك بالمثل الشعبي: “قضا أخفّ من قضا”. وهكذا يتلهّى الناس بالحصول على مشاعر خاصة ليعرضوها في مساحات عامّة، فتخفّ وطأة القمع الذي هو القضيّة الأساس. وبغضّ النظر عن تحميل مسؤولية القمع لجهة مُعيّنة. فهل من الصحّي أن يستعيض الإنسان عن حقّه في مقاومة القمع واستبداله بالمبالغة في التعبير عن المشاعر، والمبالغة بالتعبير لا تطال تعزيز مفهوم التعبير، بل استخدام مساحات عامّة ومكننتها.
حين دخلت التكنولوجيا على حياتنا، باشر الناس بملء الفراغ الحاصل في مساحة الهويّة قبل أن يعرفوا أو يسألوا حتّى عن وجهة استعمال هذه التكنولوجيا، المُتجسّدة في وسائل التواصل الإجتماعي (هكذا يقال عنها) وهي أبعد ما تكون عن التواصل الإجتماعي. والمساحة العامة أصبحت إجتماعية ولكن ليس بمفردات إنسانية، بل بمفردات إفتراضيّة هي صور للناس، وهنا يستحيل التواصل الإجتماعي، فيصبح في العالم الإفتراضي شعور إعجابٍ مُجسّد بـ ” زرّ لايك” إذا كان إعجابًا بالحالة الخاصّة المعروضة، وزرّ الإعجاب هذا غير تفاعلي، وبالتالي غير معروفة مصداقيته عن كذبه أو تكاذبه. وهذا ما يُساعد الإنسان القابع وراء الشاشة الإفتراضيّة (صغيرة أم كبيرة) على الكذب وإخفاء المشاعر الصادقة.
فكيف ندّعي أن التكنولوجيا تعني التطوّر، فترجمة المفردة عن اللغة الأجنبية قد تعني “التطوّر” لكن هذا المفهوم لا يطال إلاّ جانب استخدام بعض الأدوات التقنيّة، وبالطبع لا يَقُرب التطوّر هذا من مسار القيم الإنسانية الإجتماعية، لا بل قد يحرّف مساره ويسير به إلى تغيير مفهوم الهويّة الشعبية، بأدوات غير شعبيّة.

اقرأ أيضاً إنسان..موهوب – ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع