هل يواجَه الغزو الأميركي بالانعزال الثقافي؟ – أيهم محمود

أيهم محمود

هذه المقالة تخيب أحلام كثيرين بمن فيهم كاتبها

سناك سوري – أيهم محمود

سقط جنوده قتلى البرد والجوع وهم يتوهون في صحاري الجليد، لا شيء سوى الموت والأشباح في مساحات شاسعة لا يستطيع جيش ولا عدة جيوش تغطيتها، فشل نابليون في غزو روسيا وكذلك فشلت الجيوش النازية من بعده، لم يستطيعوا توقع الآثار المدمرة للنزيف طويل الأمد في بيئة لا يتعاون معك قسم من سكانها بشكل فعاّل.

ليس المثال الروسي يتيماً، لدينا مثالنا الشرقي أيضاً، حضارةٌ قديمة مميزة لم يستطع العثمانيون اختراقها، بقيت مرتفعات اليمن الشمالية متمردة على محاولات الاحتواء، وقادرة على قلب معادلات التوازن العسكري للقوى التي تنجح في احتلال المناطق السهلية من اليمن، لم يستطع العثمانيون هضم اليمن أبداً وبقيت جبال اليمن، وسكانها مثل حصاة ضخمة مستقرة في حلقهم، حاول المصريون في عهد الرئيس جمال عبد الناصر ثم حاول السعوديون في السنوات الأخيرة هضم اليمن والنتيجة واحدة لم تتغير.

لا أعلم لماذا يعادي البشر عملية فهم دروس التاريخ وفهم أسس عناصر قوة الدول والحضارات، ليست الجغرافيا وحدها في الحالة الروسية واليمنية سبب مناعة هذه الدول ضد الغزو والاحتلال، بل تفاعل الجغرافيا مع طبيعة السكان ومع ثقافتهم لتُنتج تركيباً فريداً خاصاً ومناعة ذاتية عالية تجاه الغزو الخارجي.

اقرأ أيضاً: فقاعة دبي – أيهم محمود

من يعرف أسباب قوته ومنعته يجب عليه معرفة وفهم أسباب قوة مناعة الآخرين قبل التفكير بغزوهم أو محاولة كسر شوكتهم وهذا ما يجب على روسيا تحديداً فهمه، بوصفها قائدة المحاولات الداعية لتقويض هيمنة الولايات المتحدة على العالم، سواء عبر منظومة البريكس، أو عبر التحالفات الثنائية الأخرى وإدارة الصراعات السياسية والعسكرية في بقاع مختلفة من العالم، مناعة أمريكا وقوتها ليست في الجليد الروسي والجبال اليمينية بل في قدرة هذه الدولة على الابتكار والتجديد، نظامها السياسي يعكس هذه الرغبة بالاستمرار.

كل البشر لديهم نوازع الاستئثار بالسلطة فهذا الأمر مُضمّن في الجينات البشرية، عبر تاريخ التطور الطويل لكن نظام الولايات المتحدة الأمريكية، استطاع ولفترة طويلة نسبياً هزيمة هذه النوازع الطبيعية وبناء منظومة قادرة على تحجيم أثرها إلى حدٍ كبير، القانون الذي لا يحميه الإيمان به لا يستطيع تغيير الواقع، القانون الذي لا يقتنع به من وضعه يُصبح عرضةً للخرق وعرضةً لتحويله إلى نصٍ أدبي فارغٍ من المعنى، مناعة أمريكا في قدرتها الدائمة على التجدد وفي انفتاحها على العالم كله وهذا ما حاول الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب”، تحجيمه ليواجه صراعاً مريراً مع القوى التي مازالت تؤمن بالصورة الهدف للعالم كما يراه قسم من الشعب الأمريكي ويسعى لتحقيقه.

لسنا هنا في معرض تقييم هذه الأهداف سلباً أم إيجاباً فهذا خارج هدف نص مقالتنا، وخارج حركة الوقائع اليومية التي تثبت أن هذه الرؤية يتم ترجمتها تقنياً على الأقل في نشر أنظمة تسعى لربط العالم بأسره، وتحويله إلى وحدة متكاملة، ليست شبكة الانترنت إلا مثال واحد من أمثلة كثيرة في هذا المجال على هذا التوجه.

في حين حولت الولايات المتحدة منظومة اتصالات عسكرية سرية إلى منظومة اتصالات مدنية عامة “الانترنت”، تحاول الصين على سبيل المثال بناء جدران النار حول اختراع غيرها لمنع التواصل الثقافي بين سكانها وبقية شعوب العالم، في الوقت الذي تحاول الولايات المتحدة الأمريكية نشر ثقافتها بكثافة عبر توسيع نطاق هذه الإبداعات التقنية نجد مزيداً من الانغلاق الثقافي في الدول التي تناهض المنظومة الأمريكية، “منظومة”: لأن أمريكا ليست دولة واحدة بل دوائر متحدة المركز مرتبطة عضوياً سواء كانت الدوائر دول أم افراد.

اقرأ أيضاً: أمّة الماضي يَقتُلها وتَقتُلنا- أيهم محمود

أنا على سبيل المثال مرتبط بالدائرة الأمريكية عبر عملي الهندسي، وعبر ارتباط معظم أدواتي اللازمة لانجازه بمنتجات الثقافة الأمريكية، وفي حال نجاح التيار المناهض للسيطرة الأمريكية في تعطيل المنظومة قد يتوقف أو يتراجع تطور مهنتي بشكل كبير، قد أكره أمريكا أو قد أحبها أو قد أكون حياديا تجاهها، لكن العواطف الشخصية غير مهمة هنا في ضوء حقيقة احتياجي لأدوات ثقافتها وارتباطي عملياً بها.

ما أريد قوله وبشكل واضح ودون أي مواربة: أن العالم سفينة واحدة تكاد تغرق بيئيا واقتصاديا لذلك السير في الانعزال الثقافي هو عكس القوة الدافعة لتطور التاريخ وعكس ما تحتاجه البشرية الآن بشكل عاجل ومُلح، قد تُولد أمريكا الجديدة من رحم أمريكا القديمة أو قد تتحول إليها أي دولةٍ أخرى تستطيع الاستثمار في مزيد من الانفتاح على العالم والتوجه نحو مواجهة الضغوط البيئية والاقتصادية بثقافةٍ موحدة قد تصل في مراحلها العليا إلى انتشار لغةٍ عالمية واحدة مشتركة.

مسار الدول المعارضة للإرادة الأمريكية لا يتقاطع حالياً مع هذه الضرورة الإنسانية لذلك يصعب عليّ -بشكل شخصي على الأقل- الإقتناع بإمكانية إثمار جهودهم ووصولها إلى أي مكان، من يريد إزاحة صخرة ضخمة عليه تأمين الأدوات الفعاّلة اللازمة لذلك، الأدوات عنوانها مزيد من الربط الثقافي العالمي ومزيد من الحريات ومزيد من الارتباط الاقتصادي والتقني وهذا أمر مازالت دول العالم بعيدة جداً فيه عن النقاط التي وصلت إليها الثقافة الأمريكية.

ربما أخيّب بنص مقالتي هذه أحلام وأماني الكثيرين بما فيها بعض أمنياتي الشخصية لكن هزيمة العدو أو منافسة الزميل والصديق تتطلب معرفةً دقيقة للواقع التقني والاقتصادي وتحليله بعقلٍ علميٍ صارم بدلاً من نشر ثقافة التفكير الرغائبي التي لم تصل يوماً إلى أي مكان سوى المزيد من الخراب للأفراد والمجتمعات. ِ

اقرأ أيضاً: دعوة لتدريس الشطرنج كمادة إلزامية بالمدارس – أيهم محمود

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع