هل نستطيع مقاومة حروب الأفيون؟ – أيهم محمود

هل توقفت حروب الأفيون في العالم؟ أم ما زالت تفتك بنا بصيغ أخرى؟

سناك سوري-أيهم محمود

طلب ملك بريطانيا في نهاية القرن الثامن عشر من امبراطور الصين، توسيع العلاقات التجارية بين البلدين، فأجابه الإمبراطور أن لدى الصين ما تحتاجه من السلع وليست بحاجة لاستيراد سلع أخرى، لم تستطع بريطانيا تصدير إلا القليل من سلعها إلى الصين، في المقابل كان علي التجار البريطانيين دفع قيمة مشترياتهم من الصين نقداً، مما تسبب في استنزاف مواردهم، لذلك لجأت بريطانيا عبر شركاتها إلى زرع الأفيون في الهند وتصديره إلى الصين كوسيلة لدفع قيمة وارداتها.

أدمن الشعب الصيني على الأفيون، وبدأت عملية نزوح الفضة من بلادهم باتجاه بريطانيا، لدفع قيمة وارداتهم من المواد المخدرة لوعيهم والمعطلة لاستقلالهم الحقيقي، استمرت بريطانيا في تهريب الأفيون إلى الصين رغم منع الامبرطور استيراده واستخدامه، وعندما أحرق الامبرطور شحنات الأفيون استخدمت بريطانيا مبدأ “حرية التجارة”، لإعلان الحرب على الصين من أجل فتح الأبواب مرةً أخرى أمام تجارته، استمر داء الإدمان مستشريًا في الصين حتى مطلع القرن العشرين إلى أن قضى عليه الشيوعيون بعد وصولهم إلى الحكم.

لا يدمن الإنسان على المواد المخدرة فقط، بل يدمن على أي مادةٍ أو فكرة تنشر في جسده المواد الكيميائية المسببة للنشوة المؤقتة، يدمن الإنسان على نشوة الانفعالات العاطفية ويطلب تكرارها، يدمن على المواد المنبهة كالمتة والقهوة والشاي، يدمن على التبغ، ويدمن على أنماط استهلاكية معينة تفرضها دعايات الشركات التجارية، إذ يعتقد الفرد أن أهميته الذاتية في مجتمعه تنبع من تقمصه لتفاصيلها، يدمن الإنسان على السلطة، وعلى إعجاب الآخرين به، في النهاية يدفع البشر مدخراتهم من المال في سبيل المحافظة على هذا الإدمان، فهل تحتاج أجسادهم وعقولهم حقاً كل هذه المواد والأفكار؟.

اقرأ أيضاً: نخب علمية لم تَرُدّ لمجتمعها تضحيته – أيهم محمود

يجب استبدال صورة المثقف الذي يحتسي قهوة الصباح ويدخن تبغه ليكتب مقالته، أو يكتب روايته، أو يناقش هموم مجتمعه، بصورة المثقف الحقيقي، المثقف العادي، المثقف البسيط الذي توغلت جذوره في تربة موطنه وتربة الحاجات الحقيقية لمجتمعه، المثقف الذي لا يحتاج كل هذه المظاهر وكل هذه الصور ليصبح مهماً في نظر ذاته، عاش الإنسان ملايين السنين بصحة وعافية على المواد المحلية المتوفرة في منطقته قبل أن يتم فرض حروب الإدمان النفسي والجسدي عليه.

المثقف الحقيقي هو من يستطيع مقاومة صور الإدمان في مجتمعه بدلاً من تعزيزها فيه، هو من يبحث عن غذائه وصحته في ظروف بيئته، هو من يشجع على التحرر من عبودية إدمان المواد القاتلة كالتبغ، نعيد هنا تكرار السؤال الجرح: هل انتهت حروب الأفيون حقاً؟.

يوضح مثالنا السوري في حرب الاستنزاف الحالية مخاطر أنواع الإدمان المختلفة، الفضة الصينية التي تم استنزافها في بداية القرن التاسع عشر من الصين هي ذاتها دولارات العصر الحديث، الوسيلة الأكثر فعالية لتهريب الجهد الإنساني وخيرات البلدان خارجها، إدمان المواد التي تبدو بريئة مثل القهوة والمتة والتبغ تستنزف مواردنا من العملات الصعبة، إضافة إلى الاستنزاف اللاحق لاستخدامها -في حالة التبغ- لشراء أدوية علاج الأضرار الصحية، التي يسببها إدمان بعض هذه المواد، وإدمان بعض العادات الاستهلاكية الخاطئة.

اقرأ أيضاً: ثقافة تقبيل اليد – أيهم محمود

ماذا لو فكرنا كشعب يريد حقاً أن يصحو من إدمانه في تحويل الدولارات المستخدمة لاستيراد هذه المواد إلى قطاعات استيراد الأجهزة العلمية واستيراد أدوات المعرفة، تمهيداً لتصنيع ما يمكن تصنيعها منها في الداخل وأقصد هنا الصناعات الالكترونية والصناعات التقنية الرفيعة، لنختبر مثلاً آثار فكرة تجريم استخدام التبغ ومنعه نهائياً على نفوس القراء لنفهم معنى قسوة الإدمان ومعنى قيود التبعية له، نعيد هنا، مرةً أخرى، سؤالنا الأساسي الذي بدأنا المقالة به عن استمرارية حروب الأفيون في القرن الواحد والعشرين.

كم بلدٍ في العالم تم القضاء عليه لمجرد التفكير في التخفيف فقط من تجارة الإدمان، أو لمجرد التفكير في التخلي الجزئي عن التعامل بالدولار، لم تتوقف أبداً حروب الأفيون تحت غطاء مبدأ التجارة الحرة، ومثقفونا، مثقفي القهوة والتبغ والعادات الاستهلاكية، هم مجرد أدوات دعاية لها.

في انتظار ولادة طبقة ثقافية ثورية حقيقية، نبقى على قيد الأمل، ونبقى على قيد الانتظار.

اقرأ أيضاً: محرقة الفيسبوك – أيهم محمود

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع