هكذا هو القانون هكذا هي التعليمات – رامي فيتالي

صورة تعبيرية-انترنت

وجود آلية إبلاغ عن الخطأ لتعديل القوانين والتعليمات ليست ديمقراطية غربية مستوردة، بل حاجة عملية

سناك سوري-رامي فيتالي

عندما قال لي معقب المعاملات المخضرم الذي كان يساعدني في معاملة عقارية، بأن موظف من إدارة السجلات العقارية سيقوم بزيارة العقار لتصحيح الأوصاف، تبسّمت ساخراً، ذلك لأنّ موظفين من إدارة المالية سبق أن قاموا بزيارة العقار وتصحيح الأوصاف، فسألته بتهكّم “هل كل دائرة ستعيد عملية تصحيح الأوصاف؟ ألا تثق الدوائر ببعضها!”، أجابني بكثير من الجدية “هكذا هو القانون”، ولكنه أعقب “ممكن معالجة الموضوع بدون الاضطرار لزيارة العقار مرة ثانية..”.

في الواقع سبب اختلاف ردتي فعلنا هو الخلفية العملية لكلّ منا، فعمله هو تمشية المعاملات وفق القوانين والتعليمات مهما كانت، أما عملي فهو برمجة الكومبيوتر، وأهم قاعدة في هذا العمل هي محاولة تبسيط الإجراءات سواء على الكومبيوتر أو على المستخدم، وعدم تكرار برمجة نفس التعليمات وعدم تكرار تخزين نفس البيانات أكثر من مرة.

هذه القاعدة (أي عدم تكرار الإجرائية وعدم تكرار تخزين نفس المعلومات) بداهةً يجب تطبيقها أيضاً في المعاملات الرسمية، ولكن ذلك لا يحدث، ومثلها الكثير من القواعد البديهية لا تطبّق أيضاً، وسبب ذلك ليس جهل أو غباء من يضعونها، فالخطأ سيحصل في أي مجال ومع أيّ كان، ولا أحد كلّي الذكاء ومعصوم عن الخطأ أو ممكن أن يكون مدركاً مسبقاً لكل النتائج والاحتمالات، بل لأنّ آلية معالجة الخطأ غير موجودة، فعندما يصادف الموظف أو المواطن طالب الخدمة عرقلة غير منطقية أو حتى تناقضا في التعليمات ببعض الحالات، يتم حلّ الموضوع “حبّياً” ولا يتم تبليغ واضع القوانين والتعليمات بوجود الخطأ.

هنا لا يكون فقط المواطن والموظف راضيين، بل حتى المسؤول عن وضع القوانين والتعليمات يكون راضياً لأنه يعتقد أنه لا يوجد أي مشكلة أو خطأ في القوانين والتعليمات التي صاغها. لكن من يتضرر هو المجتمع كلّه، وهذا أيضاً سيشمل بطريقة غير مباشرة المواطن والموظف اللذين تجاوزا القانون والتعليمات الخاطئة، فالخطأ مازال موجوداً ومع عدم تصحيحه في صيغة القانون والتعليمات ستبقى العرقلة موجودة، بينما تصحيحه بشكل قاطع سيفتح الباب لتطويرات أكبر وتحسينات أكبر بعد مستقبلاً.

مبرمجو الكمبيوتر سبق أن تعرضوا لهذه المسألة، وقوع الأخطاء وسبل معالجتها. مع أنّ علماء الرياضيات وبرمجة الكمبيوتر من زمن طويل أثبتوا برهاناً أنّه من المستحيل تلافي وقوع الأخطاء بشكل كامل، إلا أن الكثير من المبرمجين بقوا مقادين بكبريائهم واعتقادهم أن البرامج التي يصممونها كاملة وعصية على ارتكاب الأخطاء.

اقرأ أيضاً: أفكار لتطوير قانون الأحداث تحقيقاً للعدالة بالتعامل معهم

من يذكر مثلاً نظام Windows95 يذكر كيف أنّ وقوع خطأ في برنامج ما سيؤدي لتوقف الجهاز بكامله عن الاستجابة وسيضطر المستخدم لإعادة تشغيله وحتى إن استطاع المستخدم إغلاق البرنامج الذي صار فيه الخطأ لوحده سيفقد حصيلة جهد طويل وبيانات مهمة. لذلك إداريو تطوير البرامج وضعوا طرقاً جديدة وفعالة لمعالجة تبعات الأخطاء، بدل الاكتفاء بتمني عدم حدوثها، وذلك بإمكانية استعادة الملفات والبيانات، أي إعادة الوضع لما كان عليه قبل حدوث الخطأ، وأيضاً تطوير تقنية الاستثناءات البرمجية التي توقف تنفيذ الإجرائيات المتداخلة بالكامل وتعيد التنفيذ إلى الإجراء الأساسي المستدعى أوّلاً ليعالج الخطأ، وهي تقنية تم تطويرها لنظام Windows NT أولاً ثم شاع استخدامها بعد ثبوت وثوقيتها.

بالمثل في الإجراءات الحكومية والقانونية وحتى تطبيق الخدمات التي يقدمها القطاع الخاص، نحتاج لطريقة للإبلاغ عن الخطأ، أي عندما يصير تطبيق التعليمات متعذراً لتناقضها أو صعوبة تطبيقها، ومن المهم هنا أنّ الموظف يجب أن يتم تحفيزه للتبليغ عن وجود خطـأ وتقدم له مكافآت إن فعل، وإلا سيلجأ لطرق التفافية أخرى. كذلك يفترض أن توجد آلية لدى السلطة التنفيذية لإبلاغ السلطة التشريعية عند وجود تناقض أو صعوبة شديدة في تطبيق بعض القوانين، وكذلك لدى السلطة القضائية لإبلاغ السلطة التشريعية بعدم عدالة تطبيق القوانين في حالات خاصة لم يلحظها القانون وحتى إن لحظها.

وجود آلية للإبلاغ عن الخطأ لتعديل القوانين والتعليمات تبعاً لذلك، ليست رفاهية ولا ديمقراطية غربية مستوردة، بل حاجة عملية لا يوجد بديل عنها.

اقرأ أيضاً: دعوات لاستحداث شرطة خاصة بالأحداث في سوريا

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع