الرئيسيةرأي وتحليل

نستر فساد بعضنا البعض كرامة للشارب وخوفاً على اللحى

هل تعرفون شيئا عن الدورة الاجتماعية للفساد في مجتمعاتنا؟

فيما مضى حين يتخاصم البدويان القريبان ويريان من بعضهما عيباً وفساداً، فإنهما يعضّان على لسانيهما ويستران فساد بعضهما البعض ثم يجدان مبررهما في المثل القائل “إن بصق المرء إلى أعلى كانت على الشارب و إن بصق إلى أسفل تلقتها اللحى”، ومنذ ذاك الحين ونحن نستر فساد بعضنا البعض كرامة للشارب وخوفاً على اللحى.

سناك سوري – شعيب أحمد

في هذا الشرق الكبير، المتسع لكل خيباتنا وفسادنا تسود ثلاثة شرائح اجتماعية متناقضة ومتصارعة ومتهالكة بنفس الوقت، كل منها يرى في نفسه القيادة والزعامة والصواب في الإدارة، إذ منذ عقود طويلة والمثقفون والأذكياء ينجروّن وراء الدراسة الأكاديمية ويتحصلون بذلك على المكانة الثقافية العالية لتحسين مستواهم المعيشي، في حين تأتي الفئات المتوسطة ومحدودي الذكاء ليميلوا كل الميل للسيطرة على السلك العسكري طمعاً بالسلطة، أما الشرائح الدنيا التي لم تختار أي سلك رسمي أو حكومي أو نهج تعليمي فتتجه للزعامة المحلية الدينية والوجاهة الاجتماعية والمشيخة.

لهذا وبشكل مستمر ينجرف المثقفون وراء متاعب الحياة، فيؤسسون شركاتهم الخاصة التجارية والثقافية والصناعية ويرفدون المؤسسات العامة بالخبرات، بأبخس الأجور فينجزوا بلا أي سلطة عمل الحكومة في خدمة المواطنين، أما الفئة الثانية فتنقلب على الأولى وترسم مستقبل البلاد سياسياً باستلامها زمام السلطة، لكن بمرور الوقت وبلا أي وعي يخضع الجميع ويسيروا بانقياد تام تحت رحمة الفئة الثالثة من الزعماء وقادة المجتمع العشائري والديني.

اقرأ أيضاً: المواطن المُحاط بالفساد والعنف – ناجي سعيد

من هذه الدورة الاجتماعية يتولد النظام العام الذي يقود البلاد العربية اليوم، وعلى أساسها العام تولدت منظومة الفساد وتأصلت جذورها، فبلغت مؤشرات الفساد فيها مبالغ عظمى، إذ كل عيب وظيفي أو خلل بشري عام في هذا الهرم يقابل بستر متبادل، ويصبح الحديث عنه على الملأ تنكر للعيش المشترك وللعقد الاجتماعي الذي ينظم هذه المسيرة، لهذا يصبح الحديث عمن في الأعلى خيانة والبصق إلى أسفل تعدي على العرف الاجتماعي العام.

يَحول الفساد في مجتمعاتنا اليوم أمام أي خطوة في تدشين التقدم، ويصبح حجر عثرة أمام حماية البسطاء وتحقيق التنمية المستدامة وكذلك في خلق الوظائف وتحقيق المساواة. فالفاسد شوكة مرة في حلق الأمة، كلما ازدردت ريقها تحسست الوجع، فلا هي قادرة على البلع ولا هي تقوى على الرفض.

لهذا ينبغي على الجادين في وأد الفساد في بلادنا، أن يضعوا الفأس على أصل الشجر الفاسد لا أن يقلموا فروعه لينموا ويشتد عوده أقوى من قبل.

اقرأ أيضاً: الفساد الإيجابي.. جواز السفر السوري نموذجاً – بلال سليطين

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
P