نجاح الخطيب.. غادرت الحياة تاركة ذكرى ستعيش طويلاً

القابلة القانونية نجاح الخطيب

قابلة قانونية وستون عاماً من العطاء.. ابنها: كنا نعيش القلق على والدتي أياماً عديدة

سناك سوري -لينا ديوب

في إحدى ليالي كانون الأول الثلجية من سنة 1992، خرجت القابلة القانونية “نجاح الخطيب” من بيتها في “مصياف” إلى قرية “عين الشمس”، لإتمام عملية ولادة وكانت السيارات التي تخدم القرى حينها هي البوسطة الصفراء، وقبل الوصول انقطع الطريق بسبب الثلوج، وبقيت في السيارة لساعات، حتى أحضر أهل المرأة التي تعيش آلام المخاض، دابة نقلوا القابلة بواسطتها، وبعد أن أنهت عملها نامت ليلة إضافية حتى فتحت الطرقات، ولم يكن حينها سوى بعض الهواتف الأرضية القليلة في القرى.

“الخطيب” التي ساعدت الكثير من السيدات على الولادة، ومنحت لأطفالهنّ اللمسة الأولى، غادرت الحياة قبل يومين، تاركة خلفها أولاداً كثر، ففي العرف الشعبي تعتبر القابلة أماً ثانية.

60 عاماً أمضتها “الخطيب” في مهنتها الصعبة التي كانت تتطلب منها تنقلات كثيرة، على حساب عائلتها وأطفالها حين يناديها الواجب، يقول ابنها “إياس ملوحي” لـ”سناك سوري” لإنهم كانوا يعيشون قلقاً كبيراً على والدتهم، عند كل طلب ولادة من قبل إحدى العائلات، ويضيف: «كانوا يطلبونها في قرى “القدموس” و”وادي العيون” وأحيانا “ريف حمص” وكلها مناطق بعيدة، دون أن يكون هناك وسائل نقل متوفرة كما اليوم».

“الخطيب” كانت قد خصصت حذاءاً عبارة عن “جزمة بلاستيك”، للمنازل البعيدة والجبلية، يقول “الملوحي” ويضيف: «أيام كثيرة كنا نذهب أنا وإخوتي إلى المدرسة قبل عودتها من الولادة».

بعد تفوقها في دراستها دخلت “الخطيب”، وهي من مواليد 1938 مدرسة التمريض والقبالة التابعة لجامعة “دمشق” سنة 1958، تخرجت وعملت بمشفى “المواساة” لعدة سنوات، عادت بعدها لمدينتها “مصياف” سنة 1967 لتعمل في مركز الطفولة والأمومة، وتمارس مهنه القبالة على مستوى “مصياف”، والريف القريب والبعيد لمحافظتي “حمص” و”حماة”، ومن ثم المستوصف الصحي بمصياف لحين تقاعدها.

اقرأ أيضاً: ماري عجمي الرائدة النسوية صاحبة العروس التي رحلت وحيدة

لم نكن حينها نعلم عن العمليات القيصرية

رغم مرور سنوات كثيرة على ولادة شقيقتها، ماتزال “وفاء ديوب” 59 عاماً من أهالي القرية، تتذكر بوضوح تفاصيل تلك الليلة، تقول لـ”سناك سوري”: «في صيف حزيراني حار من سنة 1975، أرسلتني جدتي لمناداتها وكانت آلام المخاض أتعبت والدتي، بابتسامتها المطبوعة بذاكرتنا جميعا استقبلتني وسارعت إلى بيتنا رغم المسافة الكبيرة».

كانت عملية الولادة صعبة واستمرت 6 ساعات، تقول “ديوب”، وتضيف: «خرج والدي من البيت للبحث عن سيارة تنقل أمي إلى المستشفى في حماة، ولم نكن حينها نعلم عن العمليات القيصرية، لكن بصبرها ومهنيتها وخبرتها تمت الولادة وأنجبت أمي أختي السادسة، وكانت ثامن حالة ولادة لأمي على يدي القابلة نجاح».

تحفظ أسرار الناس

قلة من القابلات تتمتع بخصال “الخطيب”، كما تقول الصيدلانية، “لمياء الدالي” 56 عاماً، لـ”سناك سوري”، وتضيف: «كانت القابلة نجاح تبقى بالبيوت ساعات طويلة دون أن تتذمر، محتفظة بأسرار الناس، مراعية لظروفهم المادية، تساعد الفقراء منهم، انتظرتني في احدى ولاداتي من آذان الفجر حتى الثامنة صباحاً بدعائها إلى الله أن يساعدها على ولادة روح من روح، كانت تتابع الأم والوليد لأربعين يوماً لتتأكد أن صحتهما جيدة».

“الخطيب” التي غادرت الحياة، لا يبدو أن ذكراها وذاكرة المجتمع حولها ستغادر في القريب، سيظل المجتمع يذكرها بأنها المرأة المعطاءة التي لم تقصر لا مهنياً ولا إنسانياً تجاه من احتاجها.

اقرأ ايضاً: سوريا محفوض رائدة نسوية سورية منسية

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع