نافذة للخلاص- أنس جودة

أنس جودة

كلمة سحرية هي المفتاح لإعادة شمل بلاد تمزقت وشعب تفتت

سناك سوري – أنس جودة

انتهت مرحلة “الاستقرار الهش” بصدور قانون قيصر لننتقل الى مرحلة “الانهيار المتسارع” الذي سيطال قبل كل شيء بنية الدولة كبناء فوقي جامع وقدرتها على التدخل والسيطرة وبالتالي سيزيد من التفتت المجتمعي والانهيار الاقتصادي وسيطرة أمراء الحرب.

اتسمت الفترة الماضية التي بدأت منذ عودة السيطرة على حلب حتى صدور قانون قيصر بهدوء نسبي هش تلى مرحلة العمليات العسكرية الكبرى، وبانتهاء حالة (الإرهاب المنفلت) بدأت القوى الدولية والاقليمية بإعادة دراسة الوضع السوري وممكنات الحل السياسي، ولكن الحسابات السياسية المحلية والإقليمية لم تتطابق مع الحسابات الدولية، فأدى تصلب المواقف واستسخاف العواقب والصراع بين أطراف المحور الواحد، إلى أن  تعمل الأطراف الاقليمية لتحقيق مصالحها على حساب السوريين، ففقدنا بذلك كل أوراقنا التفاوضية بعد أن أمنت القوى المسيطرة على الأرض السورية كل المخاوف الأمنية التي قد تشكل حافزاً لإعادة فتح التفاوض.
وبالنتيجة خرج الحل السوري من الإطار الاقليمي وأصبح مرتبطا بالصراع الدولي الرئيسي اليوم بين الولايات المتحدة والصين ومحاولة الولايات المتحدة استنقاع روسيا في الشرق الاوسط وفي كل مكان ممكن في العالم في محاولة لإجبارها على تغيير تحالفاتها أو على الاقل تحييدها من قوة داعمة للصين إلى قوة ضعيفة غير قادرة على التأثير، واذا أضفنا لهذا المشهد التحولات الهائلة التي تشهدها المنطقة نحو قيام إطار اقتصادي سياسي أمني متعدد السرعات يشمل كل المنطقة واللاعبين فيها عدا سوريا أو بالأصح عدا سوريا الحكومة السورية، فتكون النتيجة واضحة جداً بأننا متروكون على هامش كل الأحداث بدون أي دعم أو اهتمام وأننا فقدنا مكانة سياسية ومقومات اقتصادية واجتماعية، وفقدنا مرة أخرى فرصة هامة لتعديل الأمور نسبياً باتجاه بناء السلام، فضاعت فرصة تثبيت الاستقرار التي كانت ستبنى على دور محوري للدولة السورية كإطار وحامل للحل لننتقل إلى مرحلة انهيار قد تصل في نهايتها إلى إضعاف دور الدولة سياسياً واقتصادياً وخدمياً لصالح سيطرة أمراء الأمر الواقع على الجغرافيا السورية بالكامل مع بقاء دور شكلي للدولة المركزية يستمر بالضعف حتى يتلاشى بالكامل.

اقرأ أيضاً: فرصة التقارب الروسي الفرنسي- أنس جودة

ولأن الحلول لاتأتي من السماء، ولأن الوضع الحالي هو ابن شرعي لمسار طويل من الخيبات والخذلان والاستهتار، ولأنه لاتوجد حلول جزئية، ولأن كل المفاوضات المرحلية مهما كبرت ستبقى ضمن إطار التفاوض الأمني المحدود الذي لايسمن ولايغني من جوع بدأ يضرب البلاد، فلابد من العودة لتقصي مكامن الخلل وتقديم أفكار وحلول تغير من طريقة التعاطي كلها مع الأحداث بطريقة تمنع تكرارها، وتعود لأصل المشكلة وتعالجها بدلاً من الاهتمام بالظواهر والحلول الترقيعية الجزئية.

يأتي الحصار الحالي كجزء من دورات متكررة لـ “الانفتاح والحصار” حملت كل منها عناوين وتحديات وأيضاً مقومات وبنى اقتصادية اجتماعية مختلفة، ولكن كانت هناك دائماً قواسم مشتركة تتعلق بطريقة التفكير والأداء: ففيما يتعلق بموضوع التفاوض دائما كان هناك رفض للموضوع المطروح دون تقديم بدائل ودخول في متاهات إضاعة الوقت وفي النهاية وبعد فوات الأوان تسارع لطرح العناوين السابقة والقبول بها ولكن بعد أن تفقد أهميتها وتنتهي صلاحيتها، أما استراتيجة التفاوض فكانت دائما ” التأجيل” وعدم اتخاذ قرار بحجة انتظار تغير الظروف والصمود على الضغوط والاستهزاء بنتائجها وقدرتها على التأثير، وأما الموارد فكانت دائماً في تناقص من مرحلة لأخرى حتى وصلنا لحالة الاضمحلال، وذلك بسبب غض النظر عن الفساد لأسباب سياسية، والتركيز على التفاهمات السياسية الدولية التي تجلب التمويل كالخليج وأوروبا، كنتيجة لعدم القدرة والتخوف من توطين التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تقتضي الشراكة الاجتماعية والسياسية.

بالاختصار، تمسكنا دائماً بنفس نموذج التفكير والأداء؛ حصار يعقبه انفتاح فشعور زائف بالانتصار يؤدي لاستهتار في بناء مقومات التنمية حتى يأتي الحصار التالي أشد وأقوى وأكثر فتكاً بالإنسان، وفي كل مرحلة نفقد أوراقاً وممكنات دون تعويض ودون إيجاد بدائل حقيقية حتى خسرنا بالكامل أهم مقومات العيش وبالتالي أهم أدوات المناورة السياسية وأصبحنا أسرى حاجاتنا اليومية ففقدنا السياسة والتنمية في وقت واحد. وحتى لو اتفقنا على أن مايطرح للبلاد قد يكون ضغوطاً لإخراجنا عن مسار وطني وأن المنطق والواجب يقتضي عدم الانصياع وعدم القبول بأي شيء يعرض علينا، ولكننا لم نقدم مرة نموذجاً أو تصوراً مختلفاً بل مجرد صمود وتصدي لامعنى له، ولم نقدر حجمنا وحجم المتغيرات الدولية، ووثقنا حتى الثمالة بتحالفاتنا وبقدرتنا على المقاومة، ونسينا وتجاهلنا أن الانتصار في الحرب العسكرية يقتضي تتويجها بمسار سياسي يثبت نتائجها ويضع رصيدها في خزائن التنمية وأن النهاية دائماً لطاولة التفاوض، وأن هذا التفاوض يقتضي تنازلات من الأطراف وليس فرضاً لوجهة نظر، فتحقيق المبادئ الكبرى لايتم إلا بسلوك طريق السياسة الوعر والقبول بموازينه ومراحله.

اقرأ أيضاً: مكافحة الفساد.. حملات موسمية أم برامج جدية_ أنس جودة

ولايختلف الوضع الحالي عن النموذج السوري أبداً، إلا أن الفوارق اليوم هي ندرة الموارد حتى في الحاجات الأساسية بعد أن كان الحصار في السابق يطال الرفاهيات والكماليات، وأيضا ضعف الدور المركزي للدولة إدارياً واقتصادياً وأمنياً بعد أن تمكن أمراء الحرب من مساحات الجغرافيا ومن موارد الاقتصاد في كل المناطق السورية، والأهم من ذلك كله تفتت مجتمعي هائل وضعف الثقة بالدولة وبقدرتها على صناعة الحل داخلياً وخارجياً. هذه هي المحددات التي يجب أن ينطلق منها التفكير باتجاه ابتداع الحلول، فالحديث اليوم عن مفاوضات للسلام غير مجدٍ بعد أن فقدنا زمام المبادرة السياسية وأصبحت سوريا ملحقة سياسياً وأمنياً بالقرار الروسي فليس هناك حاجة للتفاوض معنا بعد أن سقطت مخالبنا وأنهك جيشنا وفقدنا السيطرة على الحدود الجنوبية خصوصاً بعد اتفاق الجنوب المشؤوم الذي أمن حدود “إسرائيل” بضمان الحليف الروسي.
ولا الحديث عن قبول التعددية السياسية له معنى بعد أن فُرضت التعددية فرضاً باقتسام الجغرافيا فأي حل سياسي قادم يجب أن يشمل أمراء المناطق حكماً بدون أي انتظار لقبول من أحد، ولايجوز في ظل هذا التفتت طرح اللامركزية التي كانت تشكل مدخلاً حقيقياً لتحقيق الاستقرار والتنمية والمشاركة وإعادة بناء الثقة، كما أن مجرد التفكير بإنجاز المصالحة الوطنية الكبرى يعد ضرباً من ضروب الأمنيات التي قد لن يراها أحفادنا، فجميع الأطراف التاريخية للصراع السوري المتمثلة بالسلطة ذات الرداء القومي، والإسلام السياسي، والكرد، وبقايا قوى اليسار، والبرجوازية التقليدية، التي تراكبت صراعاتها على هوة التنمية بين الريف والمدينة، للتوافق على عقد اجتماعي ورؤية مشتركة للوطن أمر أشبه بالمستحيل حالياً، خصوصاً بعد أن ازداد تمسك الجميع بهوياته الطائفية والقومية خلال الحرب.

اقرأ أيضاً: المجتمع المدني في اللجنة الدستورية وضرورة ردم الهوة بين الأفرقاء_ أنس جودة

نافذة واحدة موجودة مازالت ممكنة، وطريق حتمي لابد من سلوكه والإيمان به وبذل الجهود لتحقيقه، وفرصة من الضروري استثمارها والبناء عليها وعدم تحويلها لورقة سياسية على مذبح المفاوضات الدولية الفارغة حتى لا نفقدها في الانتظار والمماطلة مثلما فقدنا غيرها فتتحول من حل إلى مصيبة. فالمسؤولية التاريخية اليوم أمام شعب دمر وانتهك وشرد، تقتضي أن يصبح شريكاً كامل الشراكة عبر مؤسساته وتنظيماته المدنية المحلية منها والوطنية في التخطيط لحياته ومستقبله، وتنفيذ هذه القرارت جنباً إلى جنب مع الحكومة والقطاع الخاص على قدم المساواة، وأن يكون رقيبا ومحاسباً لكل عملية صناعة القرار من أولها حتى آخرها. تقتضي هذه الشراكة ألا يعتبر رأس المال عميلا أمبرياليا ولا مجرد دافع للمساعدات بل شريكا وطنيا في الربح والخسارة، ولا أن يعتبر المجتمع الأهلي والمدني مجرد كتلة متطوعين مجانيين يجمعون المساعدات في الكوارث ويتوقف عملهم عند حدود الإغاثة بل فاعلاً مدنياً وصاحب رؤى ووجهات نظر مختلفة يملك قدرات أكبر بكثير من قدرات الحكومة على التنفيذ. تقتضي الشراكة ألا تكون النقابات والاتحادات مجرد واجهات لأعمال إدارية أو أذرع حزبية تجتر الخطاب الحكومي لضرورات تهدئة الناس بل منظمات تحمل هموم أعضائها وصاحبة رأي تناصر لأجل تحقيقه بكل الإمكانات. تقتضي الشراكة أن لايتم النظر للمغتربين كدافعي خوات عند الدخول لبلدهم بل خزاناً ورصيداً يمكن إذا أُحسن استثماره أن يكون رافعة حقيقية للتنمية. تقتضي الشراكة ألاتكون المجتمعات المحلية مجرد مقدم للشكاوى في أمور الخدمات والنظافة بل صانعة قرار عبر مجالسها المحلية ولجانها التنموية ومراكزها المجتمعية لتكون الصوت الأول والأعلى في وضع خطط التنمية المحلية والرقابة عليها. تقتضي الشراكة ألا يكون الإعلام مجرد صدى لمقولات جوفاء بل أداة محاسبة ورقابة واستقصاء. تقتضي الشراكة حكماً أن يكون للمجتمع المدني دور وظيفي في كل مفاصل صناعة القرار، دور ثابت بالقانون ليس لمسؤول فضل ولامنة في سلوكه، مساحة ليست أعطية ولاتتوقف على مزاج صانع القرار، وليست مجرد استجابة لحاجة عند حلول الكوارث يتم التغاضي والابتعاد عنها عند استقرار الأوضاع.

كلمة سحرية هي المفتاح الوحيد لإعادة شمل بلاد تمزقت وشعب تفتت، هي الثقة التي تشكل كنزاً وطنياً لايتحقق بالوعود والأمنيات ولابالخطابات والزيارات، بل بالشراكة الكاملة فلايمكن عودة الثقة بهياكل منخورة وبطريقة تفكير وإدارة جلبت المصائب أكثر مما جلبته كل المؤامرات الخارجية. الثقة، هي الحجر الأساس الذي يبنى عليه كل الهيكل وترتفع عليه طبقات المصالحة والتعددية والمواطنة واللامركزية ومشاريع التنمية الوطنية، لتحقق بتكاملها نموذجاً حضارياً يجذب السوريين إليه ويسعون لأن يكونوا جزءاً منه ويساهمون في بنائه وثباته.

في نهاية مسار مدريد سُئل أحد المفاوضين السوريين كيف ترفضون صفقة بهذه الأهمية وأنتم بلد ضعيف؟ فقال لدينا مخزون من القمح يكفينا عدة سنوات! ورغم ضيق التفكير الذي تحمله هذه المقولة بالاعتماد على موارد منتهية لمواجهة صراع مستمر وطويل المدى مع عدو متعدد الموارد والإمكانيات، إلا أنها بنيت في آخر الأمر على شيء ما موجود ومتحقق، فما هو “مخزون القمح” الذي نملكه اليوم والذي يمكن استثماره بطريقة لاتنضب حتى نعيد لوطننا شيئاً من حق له علينا قبل أن يعاجلنا الانهيار جميعاً؟

اقرأ أيضاً: ممكنات وإيجابيات اللجنة الدستورية السورية_ أنس جودة

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع