مياه الحسكة.. لم تعد إلى مجاريها – بلال سليطين

مدرسة العذراء الحسكة توزيع مياه

العقاب الجماعي للناس بقطع المياه أو الكهرباء عنهم هو جريمة

سناك سوري – بلال سليطين

نجحت الوساطات والاتصالات المحلية والدولية في التوصل لاتفاق مبدئي يقضي بضخ المياه إلى مدينة الحسكة بعد انقطاع دام قرابة 25 يوماً تخلله ضخ جزئي قبل حوالي 10 أيام.
المصادر الإعلامية والسياسية المعنية تقول إنه تم تشغيل المحطات من أجل الضخ، لكن هذا لا يعني أن المياه وصلت الآن إلى مليون مدني يكادون يموتن عطشاً في الحسكة، فوصول المياه إليهم من لحظة ضخها يحتاج قرابة 12 ساعة نظراً لبعد المسافة بين مركز المدينة ومحطة علوك التي تسيطر عليها قوات العدوان التركي .
إذا لا يمكننا القول أن المياه عادت إلا عندما يسمع أبناء الحسكة صوتها وهي تتساقط في خزاناتهم لتعزف لهم أجمل الألحان في ليل هذا اليوم، ربما بالنسبة لهم سيكون صوت المياه في خزاناتهم الفارغة أشبه بالسيمفونية وأجمل صوت استمعوا إليه منذ زمن، هذا فيما لو صدقت هذه الأنباء، وربما انتظروها أمام صنابير المياه حتى يغسلوا أيديهم ووجوههم التي توصي منظمة الصحة العالمية بغسلها للوقاية من فيروس كورونا وعاودوا الغسل والغسل والغسل حتى تنظف عقول أولئك الذين يبتزون بعضهم بمياه تضع الناس بخطر الموت عطشاً أو بالكورونا.

اقرأ أيضاً: الحسكة عطشى.. طفل سوري: ماما المي طعمه مرّ

مصدر الشك والترقب ناجم عن عدم الثقة بالأطراف المعنية على الإطلاق فمن يحتاج صفقة ليضخ مياه تزود مليون إنسان بما يسد ظمأهم، لا يؤتمن جانبه ومن الممكن أن يقطعها قبل أن تصل إلى الحسكة، ويحتفي بالأخبار التي تم تداولها عن أن المياه ضخت ويأخذها كشواهد عن أن المياه عادت وهي لم تعد.

كما أن الاتفاق الذي تم عقده غير واضح ولا يوجد أي شفافية حوله فقد اكتفى معلنوه بالقول إن الاتصالات أسفرت عن ضخ المياه، وهذا غير كافٍ على الإطلاق، فقد سبق وقطعت المياه عدة مرات سابقة وعادت باتفاقات آنية ضخت المياه بموجبها لساعات أو أيام ثم قطعت من جديد، وهذا كله جزء من الصراع والابتزاز السياسي والعسكري وحتى الابتزاز بالموارد والذي يدفع ثمنه المواطن في نهاية الأمر.

إن من يقطعون المياه عن الناس ويتسببون بعطش مليون إنسان مجرمو حرب بكل ما للكلمة من معنى، وكذلك من يقطعون الكهرباء كعقاب جماعي أيضاً مجرمون، لكن لا تقارن جريمة قطع المياه بجريمة قطع الكهرباء فبلا مياه لا يستطيع الانسان أن يعيش، أما من دون كهرباء فقد عاش الإنسان آلاف السنين سابقاً وهي لا تهدد حقه في الحياة، ولكن قطعها عنه كجزء من الحرب والصراع يعد جريمة بحق الإنسان وانتهاكاً لحقوقه في الحصول على الطاقة.

اقرأ أيضاً: العطش يخنق الحسكة .. مليون سوري بلا ماء

بالعودة إلى الضخ، فإنه لا يمكن اعتبار الضخ الآن حلاً (إن حصل) فهو حل مؤقت ومتغير في أي لحظة، ولا يعول عليه نهائياً فما جاء باتفاق قد ينتهي بزوال الاتفاق أو بخلاف، وربما تصريح صحفي اليوم يمكن أن يؤدي لقطع المياه مجدداً.
إن الحل الذي تحتاجه الحسكة اليوم هو تسليم محطة الضخ للخبرات الفنية السورية في مؤسسة المياه لكي تتولى الإشراف على عملها التقني وتحييدها عن التجاذبات السياسة والعسكرية والابتزاز، وضمان تواتر ضخ المياه بشكل عادل لكل المواطنين وأن لا تكون جزءاً من أي صراع، وكذلك تسليم محطات الطاقة والكهرباء للخبرات الفنية السورية للإشراف على عملها وتحييدها عن أي صراع أيضاً، فهذه الموارد ليست ورقة عسكرية أو سياسية واستخدامها للعقاب الجماعي جريمة أياً كان فاعلها اليوم وأمس وغداً وأياً كانت الجغرافية التي يرتكب عليها هذا الفعل.
إن مياه الحسكة لن تعود إلى مجاريها طالما هي في يد مُوقّعي الصفقات (المصلحجيه)، إن أمانها فقط يكون في أيادي تقنية سورية دورها الوحيد هو التعامل الفني مع المحطة وضخ المياه بتواتر.

اقرأ أيضاً: سوري يناشد العالم إنقاذ الحسكة من العطش: عاملونا كبيروت

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع