“مصطفى العقاد”.. حكاية آخر الفرسان السينمائيين في ذكرى رحيله

إشعال شموع لروح مصطفى العقاد

“مصطفى العقاد” في ذكرى رحيله مسيرة سينمائية اغتالها الإرهاب.. ما هو النصر الذي حققه المخرج السوري بعد 9 أعوام على رحيله؟

سناك سوري – سها كامل

«يا أمة العرب.. شيء من الغضب»، «إن كنا لا نعرف قيمة حضارتنا كيف سنوصلها للغرب»، هي أجزاء من رسائل أحَب المخرج السوري العالمي الراحل “مصطفى العقاد” أن يوصلها للعالم العربي، قبل أن يودي بحياته تفجير إرهابي في العاصمة الأردنية “عمان” في مثل هذا اليوم من عام 2005 عن عمر ناهز الـ75 عاماً.

رحل العقاد لكن مقولته هذه بقيت خالدة ويعاد تكرارها في مجتمعنا العربي: «بإخراج فيلم أو فيلمين ما بتخلص قضيتنا.. قضيتنا بدها سنين بدها تخطيط إعلامي سينمائي منظّم».

“جون كليدس” جاره الحلبي الذي أدخله عالم السينما

ولد “العقاد” في 30 تموز عام 1930 بمدينة “حلب”، رغم أنه ابتعد عنها، لكنه بقي مخلصاً لها، لم يكن يوّفر لقاء أو مقابلة صحافية ليسارع إلى ذكر مدينته، و الحديث عن جاره الحلبي “جون كليدس” مشغّل سينما “أوبرا” في “حلب”، الذي أدخله عالم السينما و هو مازال طالبا في الاعدادية، حيث كان يصطحبه إلى قاعة العرض المرتفعة، يشاهد الفيلم مرة ومرتين وثلاثة مجاناً، ما منح “العقاد” فرصة مراقبة جاره كيف ينسخ الفيلم ويقص المشاهد الجريئة منه ثم يعرضه، من هذه الغرفة بدأ عشق العقّاد للسينما فكان العشق الذي لم يتوه أبداً.

حلمه “الهوليودي” يتحقق

“العقاد” مع انطوني كوين وعبد الله غيث في فيلم الرسالة

خلال دراسة الثانوية، ردد “العقاد” دائماً أنه يريد السفر إلى “أمريكا”، ليصبح مُخرجا في “هوليوود”، في تلك المرحلة كان هذا الكلام بمثابة “المستحيل”، سخر منه رفاقه، لكن ذلك لم يوقف حلمه السينمائي، اشترى كتب متخصصة في مجال الإخراج و قام بدراستها قبل مغادرته إلى “أميركا”، التي وصلها وهو صبي بعمر الـ18 و في جيبه 200 دولار، من والده الذي عُرف بقساوة تربيته، وتعليم أولاده الأخلاق العالية والدين الاسلامي الصحيح.

التحق بجامعة “كاليفورنيا” في “لوس أنجلوس” لدراسة “الفنون المسرحية” بالعام 1954 ثم نال الدكتوراه من جامعة “جنوب كالفورنيا” عام 1958، ليبدأ بعدها عمله في عاصمة السينما العالمية “هوليوود”.

أدرك ابن مدينة “حلب” منذ وصوله أمريكا، أن مهمته هي تعريف الغرب بالدين الاسلامي الصحيح والثقافة العربية العرقية، اكتشف كيف يمكن أن يخاطب العقل الغربي الذي كان عصيّا على أي خطاب عربي، فبدأ بإخراج فيلم “الرسالة” الذي يتحدث عن مسيرة ورسالة الرسول “محمد”، بلغتهم وممثليهم و تفكيرهم ومنطقهم، إنه يكلمهم فعلاً.

“هات هالسيناريو.. المسافة بينا وبينكم متل هون والقمر”

عاش “العقاد” معاناة طويلة للحصول على التمويل والموافقة للبدء بالتصوير، من موافقة “الأزهر” و”رابطة العالم الإسلامي” في السعودية و “المجلس الشيعي الأعلى” في لبنان، حتى حصل على تمويل ثلاثي من الكويت و ليبيا والمغرب العربي.

يروي “زهير العقاد” أخ المخرج مصطفى العقاد في حلقة خاصة بعنوان “هل تستمر الرسالة.. مصطفى العقاد” عُرضت على قناة “الجزيرة الوثائقية” بالعام 2017 معاناة شقيقه الراحل في اقناع  أعضاء “رابطة العالم الاسلامي” في السعودية بالموافقة على السيناريو.

يضيف: «كانت ردة فعل أحد الأعضاء عندما قرأ النص “من يريد أن يعرف الاسلام فليقرأ القرآن”، يحاول  مصطفى اقناعه “لكن الجمهور غربي لا يجيد معظمه القراءة باللغة العربية والصورة بتساعد”، عندما سمع  الأخير كلمة “صورة” صرخ “الصورة ..حرام” فأجابه مصطفى “أول معلومة حصلت عليها من جامعة كاليفورنيا أن مُخترع نظرية التصوير هو المسلم “حسن ابن هيثم الأندلسي».

يكمل “زهير العقاد” حديثه ويقول: «سأله أحد الأعضاء، “هل ستستخدمون الموسيقا؟” بشكل تلقائي هز مصطفى رأسه قائلاً طبعاً، يستغرب الأخير و يجيب “البيت الذي تدخله الموسيقا تهرب منه الملائكة” قال له مصطفى “يا جماعة الناس وصلت القمر ونحنا لسه عم نحكي بالصورة و الموسيقا”، ليرد “مين قلك وصلوا القمر يكذبون عليك” غضب مصطفى منه وقال “هات هالسيناريو من إيديك المسافة بينا وبينكم متل هون والقمر».

اقرأ أيضاً: “خلدون المالح” مخرج الروائع الذي رحل بصمت!

بعد الكثير من العقبات التي وضعتها “رابطة العالم الإسلامي” السعودية بوجه تصوير الفيلم، وتهديداتها المستمرة لملك المغرب “الحسن الثاني” بالقطيعة، في حال استمر تصوير الفيلم في الغرب، انتقل “العقاد” إلى ليبيا، يقول شقيقه: «عندما شاهد الرئيس معمّر القذافي السيناريو كان جوابه “السعودية ترفض تصوير هذا الفيلم لماذا؟ لابد له أن يكتمل، لينهي العقاد تصوير الفيلم في الآراضي الليبية».

خرج فيلم “الرسالة” إلى الجمهور في آذار عام 1976 بنسختين واحدة بالعربية وأخرى بالإنجليزية، العربية من بطولة “عبد الله غيث” في دور “حمزة بن عبد المطلب” أما الإنجليزية من بطولة “أنطوني كوين” بنفس الدور، البطولة النسائية الممثلة السورية “منى واصف” في دور “هند بنت عتبة”، وأدت الممثلة العالمية “أيرين باباس” الدور نفسه في النسخة العالمية.

شكّل عرض الفيلم  صدمة للعالمين العربي والغربي، بينما رفضته معظم الدول العربية وفي مقدمتها السعودية، رحّب به الجمهور الغربي، كونه الفيلم الأول الذي سرد حياة شخصية جدلية باتزان، بعيداً عن النَفَس الاستشراقي الذي يصاحب عادة أغلب الأعمال التي تتناول سيرة الرسول “محمد”، ولتستقبل مؤخراً دور السينما في السعودية ودول خليجية آخرى، فيلم “الرسالة” خلال عطلة “عيد الفطر” العام الماضي، و يشاهده السعوديون لأول مرة على شاشة السينما بعد أكثر من 40 عاماً من إنتاجه، هو نصر حققه “العقاد” بعد وفاته بـ9 سنوات.

عمر المختار.. فيلم يحاكي القضية الفلسطينية

بدأ “العقاد” في العام 1981 بإخراج فيلمه الثاني “أسد الصحراء” – “عمر المختار” lion of the desert من بطولة النجم “أنطوني كوين”، اختار العقاد شخصية عمر المختار، لأنه رأى أن معظم الثوار العرب ضد الاحتلال الأجنبي اختاروا المنفى إلا “عمر المختار” لم يوافق عليه، إنه فيلم يحاكي كل الثوار العرب في مختلف الدول العربية و منها فلسطين، رسالة إلى العالم العربي أراد أن يرسلها العقاد و أصر عليها، “يا أمة العرب.. شيء من الغضب”.

من جنازة “العقاد”

بعد مسيرة سينمائية حافلة، رحل العقاد عن الدنيا ليكون أحد ضحايا الإرهاب، تلك العلامة السوداء التي أراد أن يُبرء الاسلام منها عبر أفلامه التي تركزت بشكل أساسي على إظهار عظمة هذا الدين وإنسانيته، وتوفي في 11 -11- 2005 بمستشفى “المركز العربي” بعمّان متأثرًا بجراحه التي أصيب بها في التفجيرات التي تبناها “تنظيم القاعدة” في بلاد الرافدين، بعد إعلانه في مؤتمر صحفي عقده في دولة الكويت أنه يفكر جديًا في إنتاج فيلم يحكي حياة زعيم تنظيم القاعدة “أسامة بن لادن”.

“العقاد” الذي لُقب بـ آخر الفرسان الذين خاطبوا العالم الغربي بصوت عربي صادق، كان قد وصل إلى الأردن في ذلك اليوم، لحضور حفل زفاف في العقبة، وبينما كان يستقبل ابنته “ريما” التي وصلت إلى الفندق لحضور الحفل مع أبيها، وقع الانفجار، توفيت هي على الفور، في حين أُصيب بجروح شديدة أدت إلى وفاته لاحقًا، مسدلاً الستار على حياة حافلة بالإنجازات، بينما كان عزاء كل من يحبه بعد رحيله أنه تمكن من تحقيق حلمه.

اقرأ أيضاً: ذكرى رحيل السخرية.. الكوميديا السوداء في حياة “الماغوط”

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع