مسيرة حافلة في تخدير الشعوب عفواً الأوجاع – شاهر جوهر

بقالية الصمود مسلسل مرايا

التخدير من المواد الطبية إلى الإعلام والشعارات وانتظار باقات الإنترنت

سناك سوري- شاهر جوهر

يفترض “توفيق الحكيم” في رائعته المسرحية “نهر الجنون” أن النهر الذي كان يسقي مملكة ما قد تعرض ذات صباح للوثة جعلت كل من يشرب منه يصاب بالجنون، وما هي مدة قصيرة حتى أصيب السكان بالجنون وباتوا يصفوا الملكة ووزيرها بأنهما مخدران ومجانين وعليهم خلعهما (لأنهما الوحيدان اللذان لم يشربا من ماء النهر)، وحين عمّت الفوضى في البلاد اقترح الوزير على الملكة أن يشرب كلاهما من النهر للخروج من تلك الأزمة.

تجد هذه الرواية مبتغاها في المثل البدوي الطريف القائل “إذا جنّ ربعك عقلك ما ينفعك”، وهذا هو حال المثقف اليوم، ففي المجتمعات المخدرة وراثياً اليوم يجد المثقف أنه أمام خيارين إما البقاء تحت تأثير البنج حتى لا يعي ما يجري بجسده وفكره من عمليات جراحية موجعة أو البقاء محتملاً جراحه المفتوحة وآلام ضميره، مثله مثل أي مثقف في عرض هذا الوطن الكبير.

اقرأ أيضاً: زوجتي ستحلبني إن عدت بلا “البقرة”.. كله من “ترامب”!

بالعموم التخدير أو البنج لا يقتصر على مهارة الطبيب في استعمال الكيمياء في الجسد المتألم فقط بقدر ما هو فن في الأسلوب والبديهة، فمثلاً من الشعوب القديمة من كان يعتمد أسلوب ربط المريض بإحكام أثناء إجراء العملية منعاً للحركة والتي تؤدي في كثير من الأحيان لموت المريض من شدة الألم. و منهم من كان يحصر رأس المريض داخل وعاء معدني فيقوم الطبيب بضرب ضربتين ارتجاجيتين على المعدن بمطرقة فيسقط المريض مغشياً، كانت تستعمل تلك الطريقة في العهد الفرعوني ولدى الفينيقيين القدماء، بينما شعوب أخرى كالآشوريين كانوا يقوموا بالضغط على عنق المريض لمنع تدفق الدم لرقبته، ما يسبب فقدان الوعي والإغماء، وهي طريقة استعملت في عمليه ختان الأطفال بالدرجة الأولى.

اقرأ أيضاً: من لا يرضى يعيش أفضل – شاهر جوهر

كما تم اعتماد طرق التنويم المغناطيسي منذ نهاية القرن الثامن عشر لكنها لم تكن ذات نتائج مرجوة، رغم نجاح بعض الحالات التي استخدمها بعض الأطباء النمساويين والألمان، و مع مرور الوقت استخدمت الأعشاب الطبية المخدرة التي تحتوي على الأفيون المخدر مثل نباتات الخشخاش و القنب في عمليات التخدير، تلا ذلك قفزات كبيرة ونوعية في مجال التخدير باستعمال الغازات المخدرة، فتمكن علماء من اكتشاف الخواص المخدرة لغاز الكلوروفورم و غاز أكسيد النيتروز والذي تم استخدامه في تسكين آلام الأسنان، وكذلك استخلاص مادة الكوكايين من أوراق نبات الكوك الذي أخذ يتم استخدامه في التخدير الموضعي للعين، تلاها اكتشاف مادة الفيرونال التي تم استعمالها في التخدير عن طريق الحقن الوريدي لأول مرة، وكذلك مادة الأثيلين و مادة diphenyl oxide عام 1930م والتي أصبحت أقوى مخدر عام.

في العموم مسيرة البشرية في تخدير الآلام وتسكينها عبر التاريخ هي مسيرة حافلة، لم تعد (عربياً) تقتصر على المواد الطبية فقط، بل تعدتها اليوم عبر التخدير الإعلامي والشعاراتي، والرياضي في كرة القدم، و انتظار باقات الانترنت وغيرها، تخدير الأحلام والإرادة، تخدير الضمير ……… تخدير العقول والشعوب.

اقرأ أيضاً: لن يلتفتوا لمطالبك إن لم تتلبّط وتصرخ أمامهم – شاهر جوهر

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع