متى نجرؤ على القيام بمراجعة حقيقية لثقافتنا – أيهم محمود

أيهم محمود

هل جربتم رؤية كافور والمتنبي من زاوية كافور؟

سناك سوري-أيهم محمود

وكأن لدينا كرةً خشبية، تارةً نطليها بلون الفولاذ، ومرةً بلون النحاس، ومراتٍ بلون الذهب، وحين تتراكم طبقات الطلاء تتشقق لتُظِهر بُقعاً مما تحتها، لا نستسيغُ الطلاء ولا نعترفُ بالخشب!، يتراكم التاريخ قرناً وراء قرن، تتغير الأجيال والثقافات، يتغير العالم كله من حولنا حتى لا نكاد نعرفه، ويبقى تراثنا عصياً على المراجعة وعلى النقد وفق رؤيةٍ حداثية، رؤية الفرد الإنسان بعد أن تراكمت معارفه حِفظاً ونقلاً دون نقدٍ ودون هضمٍ لحقب زمنية مضتْ وولتْ هي وأفرادها وعلاقاتها الاجتماعية السائدة في زمنها.

الأمثلة أكثر من أن تُحصى، وكأننا نلبس ثياباً من فولاذ تمنع أجسادنا من النمو وتخنقها، بعض القصص التاريخية شائكٌ مازال يثير النزعات العرقية والقبلية لكن ماذا عن الأدب؟ حتى الشعر نحفظه دون سؤال ودون محاكمةٍ عقليةٍ له، هو جميلٌ فقط، لكن ماذا عن التاريخ المختبئ في أبياته؟ ماذا عن المعاني والأخلاقيات التي نريد نقلها لأجيالنا القادمة عند تدريسه لأطفالنا في مرحلةٍ يصعب عليهم فيها محاكمة النص ومحاكمة القصة كما نفعل هنا في هذا المقال.

“أبو المسك كافور الإخشيدي، لقبه الليثي السوري (292 – 357 هـ / 905 – 968 م)، كان من رقيق الحبشة وأصبح رابع حكام الدولة الإخشيدية في مصر والشام، كان الحاكم الفعلي لمصر منذ 946 م بعد وفاة محمد بن طغج وأصبح كافور سنة 966 م واليا على مصر حيث حكمها ثم توسع إلى بلاد الشام دام حكمه لمدة 23 عاماً وهو صاحب الفضل في بقاء الدولة الإخشيدية في مصر.

اقرأ أيضاً: دعوة لمنع أدوات الرفاهية من قهوة وشاي ومتة – أيهم محمود

اشتراه في عام 923 م محمد بن طغج مؤسس الأسرة الإخشيدية كأحد الرقيق من الحبشة، وكان مخصي وأسود اللون، ولم يكن كافور وسيماً بل كان دميماً قبيح الشكل مثقوب الشفة السفلى مشوه القدمين بطيئاً ثقيل القدم، فوقع في يد أحد تجار الزيوت فسخره في شؤون شتى. وقاسى كافور الأمرين ولقي الكثير من العنت من سيده. حتى إذا خرج من تحت قبضة سيده ووقع في يد محمود بن وهب بن عباس الكاتب، فعرف كافور السبيل نحو القراءة والكتابة فنفض عن يديه متاعب المعصرة وأدران الزيت فالسيد الجديد ابن عباس الكاتب هذا كان موصولاً بمحمد بن طغج ويعرفه منذ كان قائداً من قادة تكين أمير مصر وقتها وقبل أن يصبح ابن طغج على حكم مصر. حمل كافور هدية من مولاه إلى ابن طغج، عينه الإخشيد كمشرف على التعاليم الأميرية لأبنائه، ورشحه كضابط في الجيش. وعندما انتبه سيده لذكائه وموهبته وإخلاصه جعله حرا وأطلق سراحه. أرسل كافور كقائد عسكري في عام 945 م لسوريا، كما أرسل ليقود حملات أخرى في الحجاز، كما أن له خلفية بالترتيبات والشؤون الدبلوماسية بين الخليفة في بغداد والأمراء الإخشيديين.

أصبح الحاكم الفعلي لمصر منذ 946 م بعد وفاة محمد بن طغج (كوصي على العرش) وتوفي في القاهرة كما أنه دفن في القدس. على الرغم من أن المؤرخين وصفوه بأنه حاكم عادل ومعتدل، إلا أن شهرته ارتبطت بالقصائد الساخرة الموجهة ضده من قبل المتنبي الشاعر الأكثر شهرة عربيا.

وبصفة عامة، فقد كان قريبًا من قلوب المصريين لكونه سخيًا كريمًا؛ وينظر بنفسه في قضاء حوائج الناس والفصل في مظالمهم، وفي عهده اتسع نشاط دعاة الفاطميين في مصر.

انتهى الاقتباس والمصدر من ويكيبيديا، التي تقاطع محتواها مع مصادر متعددة أخرى، لم يكن كافور إنساناً مثالياً بل رجل سياسة قِيل أنه قتل ورثة العرش بالسم ليصل إلى هدفه، نحن لا نتحدث عن قديس بل عن إنسان لو لم يُستبعد لما تم تشويهه وإخصائه والسخرية من لون بشرته واستغلاله في العمل بأبشع صورة، لم يتوقف هذا الإنسان الذي تعرض لكل هذه الظروف السيئة عن الحلم بالتغيير والحرية، تعلّمَ القراءة والكتابة وغير حياته كلها، لكن كيف عرفنا اسمه، عن طريق قصيدةٍ عنصرية للمتنبي مازالت تدرس لأطفالنا!.

اقرأ أيضاً: نخب علمية لم تَرُدّ لمجتمعها تضحيته – أيهم محمود

اقتبس هنا بعضاً من أبياتها:

لا تَشتَرِ العَبدَ إِلّا وَالعَصا مَعَهُ ….. إِنَّ العَبيدَ لَأَنجاسٌ مَناكيدُ
ما كُنتُ أَحسَبُني أَحيا إِلى زَمَنٍ ….. يُسيءُ بي فيهِ كَلبٌ وَهوَ مَحمودُ
جَوعانُ يَأكُلُ مِن زادي وَيُمسِكُني ….. لِكَي يُقالَ عَظيمُ القَدرِ مَقصودُ
مَن عَلَّمَ الأَسوَدَ المَخصِيَّ مَكرُمَةً ….. أَقَومُهُ البيضُ أَم آبائُهُ الصيدُ
أَم أُذنُهُ في يَدِ النَخّاسِ دامِيَةً ….. أَم قَدرُهُ وَهوَ بِالفَلسَينِ مَردودُ
أَولى اللِئامِ كُوَيفيرٌ بِمَعذِرَةٍ ….. في كُلِّ لُؤمٍ وَبَعضُ العُذرِ تَفنيدُ
وَذاكَ أَنَّ الفُحولَ البيضَ عاجِزَةٌ ….. عَنِ الجَميلِ فَكَيفَ الخِصيَةُ السودُ.

قصد المتنبي أبا المسك ومدحه في أول الأمر طمعاً بمالٍ ومنصبٍ سياسي، فلما لم يحصل على ما يريد منه هجاه وشتمه مستخدماً أوصافاً عنصرية تدل على سوء نفس قائلها واستعداده المسبق للغدر بمن مدحه، كفى كافور حكمةً أنه رأى ببصيرته الغدر في تملق المتنبي له، وكفاه حكمةً في عدم الانجرار إلى الغضب وسحق المتنبي وقتله وهو السياسي الحاكم لدولةٍ قويةٍ مثل مصر، وهو الذي لم يرحم خصومه من قبل، هذا هو الوجه الآخر للقصة، فماذا نعلم أولادنا وأطفالنا في مدراسهم!.

نعلمهم أنه لا مشكلة مع التملق ومديح من نكره ضمناً إن كان لدينا حاجةً نريدها منه، ونعلمهم أننا إن لم نأخذها منهم نستطيع استخدام عنصريتنا وكرهنا الدفين لشتمهم والتشهير بهم، نعلمهم أنه يكفي أن يكون الإنسان مشهوراً لكي يحق له ما لا يحق لغيره، تكفي الشهرة لخرق معايير الأدب والأخلاق دون محاكمة ولو رمزية لصاحبها.

دافع البعض عن المتنبي بأنه ابن عصره وأخلاق عصره، وأننا لا نستطيع محاكمة الماضي بعين الحاضر، هذا ربما صحيح جزئياً لكن ماذا عنّا نحن؟، لماذا لا تشير كتب الأطفال لدينا إلى هذه المسألة من زاويةٍ أخرى، من زاوية كافور بدلاً من زاوية المتنبي، لنعلمهم أن الطموح فضيلة، وعدم الانتقام حين المقدرة فضيلة، وعدم الاستسلام للواقع المفروض علينا فضيلة، والسعي الدائم لتغيره فضيلة، وعدم الانجرار إلى الصراع مع القوالين -مهما كانوا مشهورين في مجتمعاتهم- فضيلة، ماذا لو علمنا أولادنا أن المشاهير يخطئون، وأنهم ليسوا دائماً على حق، معاني كثيرة يمكن أن نعلمها لأطفالنا من قصة كافور، وتبقى الحكمة الأهم التي يتوجب نقلها للجيل الجديد هي التفكير وعدم تعطيل العقل ومحاكمة المعلومة وهضمها لا مجرد حفظها ونقلها دون أي تفكير.

اقرأ أيضاً: ثقافة تقبيل اليد – أيهم محمود

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع