متفرغ للحصاد والأعمال الأدبية – شاهر جوهر

حصاد القمح -سناك سوري

في موسم الحصاد سأبقى راضياً وأكمل عملي.. وتشاو!

سناك سوري – شاهر جوهر

يروى في قريتي جنوب البلاد، أن عائلة “أبو زكّو” الكسولة تكره موسم الحصاد والحصيدة، وفي ذاك العام كانت العائلة مضطرة لزراعة القمح لتأمين العلف لدوابها، فحدث أن زار القرية وافد غريب، حطت رحاله أمام منزل “أبو زكّو” يسأله البحث عن عمل، سأله “أبو زكّو” إن كان يجيد الحصيدة، فقال بثقة (يوووه). فاقترح عليه أن يمكث بينهم بمأكل ومشرب ومسكن طوال العام، لحين حلول موسم الحصاد على أن يتعهد له بحصاد موسمه، فوافق الغريب المشرد بلا اعتراض.

مضى العام سريعاً، وحان وقت الحصاد، ذهب “أبو زكّو” إلى الحقل نظيفاً أنيقاً يرتدي مريولاً أبيضاً، وبات الجميع يراقبه بفرحة المخلّص، أمام الحقل الأصفر الطويل خلع نظارته بهدوء ووضعها في جيبه، ثم أخرج من عبّه ولاعة سجائر أشعلها ورماها وسط السنابل اليابسة وهرول هارباً.

اقرأ أيضاً: البربوط.. الكل يظلمه ويرميه خارج المنزل- شاهر جوهر

تقفز تلك الحكاية الشعبية، والتي لا أعلم مدى صحتها، على ألسنة سكان هذه القرية عند كل موسم حصاد، كنوع من المؤانسة الداخلية لتبرير حقدهم على الحصيدة.

و هذا العام عزمت على أن أنهي حصادي بوقت باكر حتى أتفرغ لأعمال أخرى، لهذا استيقظت صباح البارحة نشطاً على غير العادة، فقد قررت أن أبدأ نهاري بلا كسل، أديت صلاة الفجر و حملت عدّة الحصيدة وفاجأت حبات الندى قبل أن تهرب مع بزوغ الشمس.

القمح في كل مكان، أصفر، مائل بسنبله يدعوك لقطافه، من أين أبدأ بهذا البحر من العيدان الحانية يا عالم، من هنا، لا بل من هناك، إني أغرق تحت السنابل، تنفست الصعداء وقلت في نفسي الحصاد مثل مباشرة أي عمل أدبي، باشر من حيث أنت، وبالفعل بدأت أدندن أغنيتي الهابطة المحببة “ليه بيداري كده”، و طقطقة العيدان تحت المنجل كموسيقى كلاسيكية تناغم أغنيتي.

تحت البيدر نط بالقرب مني أحد الرعاة، رمى جثته على طرف البيدر ثم تناول عوداً وراح يخلل به أسنانه، يضع طاقية مدورة كبيرة كتلك التي يرتديها رعاة البقر الأميركي، قلت مازحاً (الفزعة)، رد بملل (لو فيا خير ما رماني الطير)، ألقى حواليه نظرة فيها قرف ثم سألني لما لا أجلب عمالاً و أريح رأسي كما يفعل أغلب سكان القرى المجاورة؟، هنا استعرت عبارة قديمة لجدتي (اللي ما بينبع بيخلص)، وهي عبارة لشحذ عزيمة شخص مفلس، لكنه ظلل راحة يده فوق عينيه وراح يبعث نظرات بعيدة لسهم القمح، ثم قال ساخراً (عن أي نبع لن ينضب تتحدث جدتك، القمح في كل مكان).

أنا مؤمن مثله تماماً أن الحصيدة لا أخلاق لها، وأن موسم الحصاد في هذه البلدة التي لا تزال بدائية فيما يتعلق بوسائل الإنتاج تدفع المرء ليشعر بالعبودية، لهذا حين راح يتحدث عن وجهة نظره تلك لم أتحول لسوري أصيل يعترض لأي شيء يسمعه، لأنه قال ما ينازع نفسي الكارهة للحصيدة:
– ملكة النمل تعيش حتى عمر الثلاثين سنة، و النملة العاملة تعيش من سنة إلى ثلاث سنوات كأقصى تقدير، أتعلم لماذا؟ لا تعلم، لأن الملكة لا تُتعب نفسها في جني الطعام، هناك عبيد مهمتهم تأمين ما يستلزم لها من طعام، لهذا تعيش هي أطول وتموت العاملات من التعب بفارق سنوات كبيرة عن الملكة.

اقرأ أيضاً: لن يلتفتوا لمطالبك إن لم تتلبّط وتصرخ أمامهم – شاهر جوهر

أكملتُ حصادي و أنا أستمع له، لم أخبره أن حديثه أعجبني، ومع ذلك استرسل كاشفاً عن ثقافة جيدة، بدأها بسؤال قصير:
– هل لك أن تخبرني بأسماء مثقفين من البشرة السوداء مشهورين في أوروبا وأميركا؟

فكرت قليلاً ثم خطر ببالي أشخاص مثل “سدني بواتييه”، “جيمس جونز”، “باول وينفلد”، “دنزل واشنطن”، “محمد علي كلاي”، “ويل سميث”، “جيمي فوكس”، “دانييل كالويا”، “مالكوم أكس”، “ديف تشابيل”، “كيفن هارت” وغيرهم، فاستوقفني هنا وأكمل:

– جميع هؤلاء من “أفريقيا”، كان أجدادهم عبيداً مثلك الآن، قام الأوربيون بشحنهم في شاحنات وعلى ظهور الحمير وعلى متن القوارب من “أفريقيا” إلى “أوروبا” و”أميركا” ومن ثم تم تحويلهم إلى عبيد كي يعملوا في حقولهم، إنهم شعب فهمان يشغّلون رؤوسهم فقط، والآن بعد أن تحرر الأفارقة في تلك البلدان استعانوا بنا نحن العرب، نحن الهمل، أتعتقد أنهم غير قادرين على إيقاف مد الهجرة إليهم، إنهم يحتالون، يريدون شباننا ليحولوهم إلى عبيد، في الزراعة والصناعة والبحث العلمي، إنهم يسرقون مثقفينا ويحلبونهم كما أحلب بقراتي، لم يتغير شيء منذ القديم حتى الآن، ما تغير هو أن الجنازير التي كانت توضع على أرجل و أعناق الأفارقة رُفعت وباتت توضع اليوم على آرائنا و على أدمغتنا.

توقفتُ لسماعه عن العمل، رميت المنجل من يدي ونظرت إليه بوجه متعرق، أغرقتني ابتسامته الكبيرة، ثم قفز راكضاً وراء بقراته اللواتي غادرنّ كرمه مبتعدات.

في البعيد قليلاً فوق رجم من الحجارة صاح كمن شعر أنه أفسد عزيمتي عن العمل:
– هيه أيها العبد الأسمر، تقول جدتي أن التعب وسخ تجلوه الراحة، أكمل عملك وارضى، تشاو.

اقرأ أيضاً: بعد حواري مع متشرد أنا لا أشعر بالارتياح مثله – شاهر جوهر

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع