ماذا تركت الأزمة في أفكارنا وثقافتنا؟

من مؤتمر الثقافة السوري

دراسة تعرض آثار الأزمة على ثقافة السوريين و أفكارهم

سناك سوري _ دمشق

أظهرت دراسة أعدّها “معهد دمشق للأبحاث و الدراسات “ مؤخراً ، انخفاض عدد المراكز الثقافية في “سوريا” من 478 مركزاً في العام 2011 إلى 194 مركزاً في العام 2017، حيث تسببت المعارك في البلاد بتدمير عدد كبير من هذه المراكز ، إضافة إلى وقوع عددٍ منها في مناطق ساخنة يتعذّر الوصول إليها .
بينما كان من الملفت ارتفاع عدد الإنتاجات المسرحية و السينمائية عمّا كانت عليه في العام 2011، حيث وصل عدد المسرحيات المقدمة على خشبات المسارح القومية عام 2016 إلى 238 عرضاً مسرحياً مقابل 7 في العام 2011 ! فيما بلغ الإنتاج السينمائي 29 فيلماً في العام 2016 مقابل 6 فقط في العام 2011 وفق الإحصائيات التي قدّمتها الدراسة .
الدراسة التي أعدّها الدكتور “كريم أبو حلاوة” أوضحت الآثار السلبية التي خلّفتها سنوات الحرب على الجانب الثقافي و الفني خاصة في مجال السينما ، حيث توقّف “مهرجان دمشق السينمائي” منذ بداية الأزمة و توقفت استضافة الأسابيع السينمائية فيما اقتصرت المشاركات الخارجية على مهرجانات الدول الصديقة.

تأثر مفاهيم المجتمع

تتناول الدراسة في المقابل آثار الأزمة السورية على القيم و المفاهيم الثقافية و الأفكار السائدة لدى السوريين ، حيث أشار الدكتور “أبو حلاوة” في القسم الثاني من الدراسة إلى أن الأزمة السورية أفرزت سلوكيات و انتماءات متفاوتة أثّرت على قيم بعض السوريين .
و أرجع “أبو حلاوة” سبب تأثير الأزمة على فئة من السوريين إلى محاولة إنشاء ثقافة جديدة تقوم على الإقصاء و التطرف باستخدام المال و الخطاب الديني المتشدد ، في حين حافظ وعي أغلبية السوريين و قيم التسامح و العيش المشترك لديهم على الدولة السورية من الانهيار ، و كوّنَ هذا الوعي أملاً في بناء السوريين لدولة ديمقراطية مدنية في بلادهم ما بعد الأزمة .

ثقافة التنمية

أشارت الدراسة إلى الجانب التنموي للثقافة في “سوريا” و احتياجاته ، حيث لفتت إلى الحاجة الملحّة إلى ربط التعليم بمتطلبات الحياة التكنولوجية و العملية و التخلص من أساليب التلقين التقليدية ، إضافةً إلى تحفيز الإعلام على لعب دورٍ تنويري يساهم في تناول القضايا بعيداً عن الابتزاز الشخصي و الاتهامات العشوائية .

اقرأ أيضاً :أهالي الرقة يحفظون آلاف الكتب من “داعش” ويعيدونها لوزارة الثقافة السورية

ففي حين أن مصادر الثروة في “سوريا” تعتمد على الأرباح الناتجة عن قطاعات كالزراعة و العقارات فإن المعرفة و المشاريع العلمية و التقنية المتقدمة على الرغم من الأرباح العالية التي تنتج عنها فإنها لم تتحول بعد إلى مصدر للثروة في “سوريا” ينافس المصادر التقليدية .

ثقافة العمل في “سوريا”

بناء الثروة و تجميع الموارد المالية لدى المواطن السوري كان يعتمد على ثقافة العمل التي كانت إحدى أهم القيم للشعب السوري الذي تميّز بإبداعه في العمل و ترك أثرهِ الملفت في مهنته ، إلا أن تسرّب قيم العولمة و ثقافة الاستهلاك و الربح السريع كانت مقدّمة لتغيّر سلبي طرأ على ثقافة العمل
لاحقاً ، شهدت البلاد خلال سنوات الأزمة ممارسات تتعلق بالكسب غير المشروع عبر عمليات الخطف و السلب و القتل و الاحتيال ، الأمر الذي يستدعي إعادة الاعتبار إلى قيم ثقافة العمل و أخلاقيات المهن و سبل الكسب المشروع عن طريق دعم قيم العمل مادياً و معنوياً .
لا تغفل الدراسة الحديث عن تأثّر ثقافة العيش المشترك خلال السنوات الماضية رغم أن تجربة الأزمة أظهرت أن ثقافة التعصب و التقوقع لا تحل المشكلة فيما يساهم الحوار بتعزيز السلم الأهلي و التماسك الاجتماعي و هو أكثر الوسائل فعالية لحل الخلافات و بناء مصالحات قابلة للبقاء .

الهوية و المواطنة

تذكر الدراسة أن السنوات الأولى من الأزمة كشفت عن استهداف أطراف إقليمية و دولية للانتماء و الهوية السورية عن طريق تأجيج الصراع بالمال و السلاح و الإعلام و نشر ثقافة العنف و خطاب الكراهية .
على الرغم من صمود الهوية السورية أمام هذه المخاطر فإن الحاجة إلى تعزيز قيم المواطنة و حماية الهوية الوطنية تبدو ضرورية أكثر من أي وقتٍ مضى خاصة مع اتجاه الأمور في “سوريا” نحو الاستقرار .
تقترح الدراسة في الختام إيجاد سياسات ثقافية تشجع الإبداع و التفكير و الثقافة لتحصين الإنسان السوري معرفيّاً و ثقافياً لأن بناء سوريا المستقبل يحتاج إلى إعادة النظر في مختلف القضايا الثقافية و صلتها بالسوريين في مرحلة ما بعد الحرب .

اقرأ أيضاً :من رحم الخلاف.. نشطاء يطلقون حملة “كلنا سوريون”

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع