ليلة سقوط إمبراطورية الفلافل

فلافل _ سناك سوري

الحرب غيّرت كل شيء إلى أن أسقطت إمبراطورية الفلافل

سناك سوري _ زياد محسن

أعادني شجوني إلى أكثر من عقدين من الزمن إلى الوراء حين كنت طالباً في المدرسة ورأيت بأم عيني كيف فتح “أبو حمدي” للمرة الأولى امبراطورية الفلافل في حارتنا.

كنتُ واحداً من جنود الإمبراطورية الأوائل والمخلصين وكان “أبو حمدي” يدرك ذلك جيداً، لذا فإنه كان يكثر من الطحينة في صندويشتي ويستثنيني أحياناً من مرسومه الامبراطوري بمنع البيع بالدين.

كنتُ أشعر بالانتماء لإمبراطورية الفلافل وتميّزي فيها، حيث كان يحق لي الشرب من ترمس الماء البارد القريب من “أبو حمدي” وليس من الحنفية كباقي مواطني الإمبراطورية العاديين أو العابرين، وكانت كل 10 ليرات أنالها من مصروف أو مدخول هي مشروع صندويشة من الإمبراطورية، بينما كانت صباحات يوم الجمعة مفضّلة لديّ لأنها تحمل لي زيارة دبلوماسية رفيعة للإمبراطورية أشتري خلالها الفول والحمص والفلافل دفعة واحدة.

كبرتُ في كنف الإمبراطورية ومع تقادم السنين تنحّى “أبو حمدي” عن عرش الإمبراطورية وسلّم وليَّ عهده “حمدي” دفة القيادة، وبقيت واحداً من جنود الإمبراطورية الأوفياء حين أعود من الجامعة ولاحقاً من العمل لا أجد أهم من فلافل الإمبراطورية لوجبة سريعة تناسب جيبي الشحيح باستمرار وتهدّئ غريزة الجوع لديّ.

اقرأ أيضاً: على خطى اللحوم… الفلافل قد تبتعد عن موائدنا

حين بدأت الحرب لم أكن أتوقّع أن الإمبراطورية ستكون مستهدفة أو أنها ستكون ضحية، لكن رحيل “أبو حمدي” في السنة الثالثة للمعارك جعلني أشعر أن شيئاً ما يتغيّر، وتدريجياً ومع قرارات رفاقي من المحاربين القدماء في صفوف الإمبراطورية أن يسافروا إلى خارج البلاد، وجدت نفسي وحيداً من الرعيل الأول وبات رواد الإمبراطورية أناس لا يقدّرون قيمتها ولم يكن “حمدي” بحنكة والده وحكمته.

مع مرور نحو 10 سنوات من الحرب، وما أصاب الاقتصاد والحالة المعيشية من تدهور بدأت الإمبراطورية بالتفكك، و”حمدي” لم يعد يتعامل مع الطحينة لأن أسعارها وصلت لأرقام خيالية وبالنسبة لي، صدمت حين  طلب “حمدي” 300 ليرة ثمن صندويشة الفلافل وبدون طحينة، حينها شعرت أنني خسرت شعوري بالمواطنة في الإمبراطورية وأنهم سحبوا مني جواز السفر ووسام الشرف الإمبراطوري.

لم تمضِ أيام حتى شهدت إغلاق “حمدي” باب الإمبراطورية للمرة الأخيرة بعد أن باعها بثمن بخس وقرر السفر إلى الخارج، وحين رأيت دموعه تنفلت من عينيه كدت أصرخ به كما صرخت والدة “أبو عبد الله الصغير” بابنها حين سقطت الأندلس:

ابكِ مثل النساء مُلْكاً مُضاعاً

لم تحافظ عليه مثل الرجالِ

لكن صوتي اختنق فجأة … وبكيت ليلة سقوط الإمبراطورية.

اقرأ أيضاً: قريباً عند مطعم الفلافل… بمليون مسبحة و250 ألف مخلل

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع