ليرة ذهبية أمامك.. هل تمد يدك لتلتقطها؟ – أيهم محمود

ايهم محمود

في كل مرة تمتد فيها يدك لتلتقطها اعلم أنك لن تعود كما كنت قبلها

سناك سوري – أيهم محمود

أن تلمح أمامك المعدن الأصفر اللامع وأنت تعاني الحاجة، هدية تركها لك القدر لتدفع بها إلى الأمام بعضاً من أيامك القاسية بانتظار حادثةِ إنقاذٍ أخرى، حتى الآن تبدو محظوظاً، بل محظوظٌ جداً إلى أن يبدأ عقلك بدفع الأسئلة الصعبة نحو مناطق الوعي ومناطق الرؤية، قد يأتي هذا الفعل فوراً أو ينتظر لحظة ندم مؤجلة بعد أيام أو بعد أعوام أو بعد عشراتٍ منها تنتقل فيها الأسئلة للورثة فنحن لا نورث المال والممتلكات فقط، نحن نورث الأسئلة القاسية أيضاً.

الذهب يلمع، وكذلك الرغبات، وأيضاً حاجةُ الاستسلامِ لبناء الجدران العازلة بين الأسئلة وبين الفرح البسيط اللامع مثل معدن هذه الليرة.

هل هي لي؟

هل تركها القدر هنا لأنه يعلم بحاجتي لها؟

هل ألتقطها دون طرح المزيد من الأسئلة على نفسي وضميري؟

هذه هي الأسئلة السهلة فقط أما الأصعب منها فيأتي لاحقاً عادة بعد أخذها وصرف قيمتها ونفاذ تأثيرها اللامع من مخزون أبصارنا:

هل كانت هذه القطعة لغني يملك منها المئات وقد أوقع واحدة فقط منها دون أن ينتبه؟

اقرأ أيضاً: هروب المجتمعات من ضميرها _ أيهم محمود

ليس الجميع يستطيعون الخلاص من إغواء بريقها والاتجاه إلى أكثر الأسئلة قسوة كأن تكون اليتيمة الوحيدة في مدخرات فقير ذهب ليبيعها من أجل تأمين علاج ابنته وأن تكون البنت قد ماتت فعلاً بعد أيام من التقاطكَ لأمله الوحيد، هذا سؤالٌ واحدٌ فقط والاحتمالات الأخرى المؤلمة كثيرة لكنها تقع في عالم الغيب على العكس من تلك القطعة الذهبية الواقفة بلا حراك أمامنا.

كل الفرص التي تتاح لنا تحمل ذات اللمعان وذات البريق الأخاذ، حتى الظفر بعلاقةٍ عاطفية استطعنا اقتناصها في لحظة ضعفٍ ما، أو في فرصةٍ علمية لا نستحقها ربما، إغواء المال السهل موجودٌ في كل مفاصل الحياة وليس فقط في الليرة الذهبية المتخيلة أمامنا، إغواء الالتقاط السهل في مقابل الدفع اللاحق الصعب، دفع الأسئلة التي سترهق أيامنا وليالينا الطويلة، لا توجد أجوبةٌ مُثلى هنا: هل نأخذها أو نتركها مسألتان لا تُعفيان ذاتنا من الندم اللاحق.

هي تجربة ما يجب خوضها: التقاطها، أو إكمال سيرنا وكأننا لم نراها، في الحالتين لن نعود أبداً كما كنا قبل اصطدام نظرنا بها ولن يتوقف سيل الأسئلة الهادر في عقلنا، لن يتوقف اضطراب هويتنا وهي تتماوج في محاولة استيعاب هذه الصور الجديدة المتدفقة من العدم عن ذاتنا، قد تفاجئنا صورة وجوهنا، نكتشف الطمع أو الجشع أو الغباء أو العجز، قد نكتشف في داخلنا الضمير أو نكتشف انعدام وجوده فينا، مَنْ رمى حقاً هذه القطعة الذهبية أمامنا: يد إنسانٍ مثلنا أم يد القدر؟.

نظل أمامها في مساحة الأنا، مساحة المواجهة بين الذات وبين الفرصة التي تمثلها لنا، لكن القلة فقط من تعبر حاجز الأنا فوق جسر العبور باتجاه الهو، ذلك النهر الخطير الذي يفصل بين الضفتين لا يمكن أن نعبره سباحةً ولن يعبره إلا من جهّز نفسه لهذا الاحتمال فبنى جسره الخاص مسبقاً، أن تضع ذاتك مكان الذي أضاعها بدل أن تفكر طول الوقت بأنك وحيدٌ معها، أنتم في الواقع ثلاثة على الأقل: أنت وهو وهي المرمية أمامكَ كإغواءٍ جميل يجعلك تنسى وجود الطرف الثالث، حتى الآن لا يبدو أن هذا النص سيكون قصيراً في وصف حادثةٍ صغيرة مثل هذه ربما لا تحتاج إلى صرف كل هذا الجهد في اعتقاد البعض.

اقرأ أيضاً: حاجة السوريين إلى عقد اجتماعي جديد- أيهم محمود

قد تكون الليرة الذهبية فكرة، كأن يلمع في رأسنا فجأةً أننا شعب الله المختار، أو نتخيل أنفسنا كعرقٍ سامي يستحق التصفية والنخل والتنقية مثلما فعلت النازية، ربما كان اللمعان قناعتنا بأفضلية حالتنا التطورية واستعدادنا وحدنا فقط استقبال الذكاء والتحضر والتمدن، في مثل هذه الحالات المعقدة نورّث الأبناء الأسئلة، نستمتع نحن بأخذ اللمعان ونترك للورثة دفع الدم والألم، هذه هي الحالة المثالية لكتابة مؤلفات النجاح القسري مثل كتاب فن الحرب الذي يقرأه من يحتفظ بنسخة كتاب الأمير أيضاً، “ميكافيلي” نفسه لم يكن ناجحاً في حياته ومع ذلك كتب كتاباً مهماً في نصح الآخرين، التقط القطعة الذهبية دون أي ندم وعلّم الآخرين فن التقاطها أيضاً لكنه في كتابه لم يكتب عن الثمن المدفوع لاحقاً، ربما انشغل بدفعه فنسي إصدار ملحقٍ لكتابه يخبرنا فيه بقية الحكاية.

هل أحببت تلك الهدية المجانية أمامك؟

في كل مرة تمتد فيها يدك لتلتقطها اعلم أنك لن تعود كما كنت قبلها، ليست هذه دعوة لتركها في مكانها فقد يراها من سيحوّل قيمتها إلى فعل شرٍ وأذيةٍ للآخرين، أرأيت؟ حتى المبالغة في الاستسلام لفكرة الخير قد تكون بوابة إلى نقيضه: بوابة إلى الشر، ربما البداية الصحيحة هي في إدراكك الواضح للهو الموجود دائماً بينك وبينها، لوجود الطرف الثالث الذي عليك التفكير به وبوجوده قبل أن تغرق كلياً في نشوة اثنين: لمعانها أمامك وعشقك لها الذي ظهر واضحاً على وجهك من النظرة الأولى.

في كل مرة يُقدّم لك فيها أحد ما هديةً مجانية فكر جيداً فقد تعلق رائحتها بجلدك فتميزك إلى آخر حياتك، فكر جيداً لتنجو فالقطع الذهبية تملأ الأمكنة حولنا وهي كثيرة تكفي لاستيعاب حمولة كل الندم الموجود في هذا الكون.

اقرأ أيضاً: خنق التعليم المهني_ أيهم محمو

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع