لمن لا يعلم.. حجارة “الأموي” تكتنز إرث السوريين العلماني!

الجامع “الأموي” والتاريخ السوري يردان على الرأي القائل بأن خصوصية المجتمع السوري لا تقبل العلمانية.. التاريخ الذي نؤمن به يقول كلمته!

سناك سوري-حسان يونس

ربما تكون سورية (بما تعنيه من جغرافية الهلال الخصيب) من الأمكنة الفريدة في العالم التي تتعاقب فيها الديانات وتتراكم فوق بعضها في بنية متصاعدة، دون محاولة إخفاء الروابط التي تصل قديمها بحديثها وبائدها بباقيها، وإذا كان الواقفون في الطوابق العليا لا يكلّفون أنفسهم عناء النظر إلى الطوابق السفلى أو إلى الأساسات الراسخة في الأرض، فان هذا لا ينفِ أن البناء واحد، كما لا ينفِ أنه لو لا تلك الأساسات وتلك الطوابق السفلى لسقطوا هم واعتقاداتهم وإيمانهم أرضاً، ولانهار كل بنائهم.؟

إن هذا التعالي على وحدة البناء الروحي نجده لدى سوريين كثر يخالفون طبيعة أرضهم ويصرون – رغم هذا التراكم والترابط الحيوي- على إيجاد حواجز من العصبية الضيقة البلهاء التي ترفضها حجارة كافة المعابد في سورية.

في “دمشق” أقيم الجامع الأموي 705 م في مكان مقدس منذ العام 1200 ق.م، حيث بدا معبدا للإله الآرامي “حدد”، إله الخصب والرعد والمطر، وعقب سيطرة الرومان على دمشق في القرن الميلادي الأول تحول المكان معبداً للإله الروماني “جوبيتر”، في القرن الرابع الميلادي تحول المعبد إلى كنيسة سميت كنيسة القديس “يوحنا المعمدان” الموجود ضريحه داخل الجامع؛ والى الآن يتميز الجامع الأموي بكونه أول مسجد ظهر فيه المحراب الإسلامي والحنية الكنسية، نتيجة طراز البناء الذي كان يشكل كنيسة، كما أن المسجد يحتوي إلى اليوم مدفن جسد “يوحنا المعمدان”، بالإضافة إلى جرن العماد ونقش باليونانية في مدح السيد المسيح على أحد الجدران، ويحوي المسجد كذلك أيضًا على الفتحة التي وضع فيها رأس “الحسين” حين حمل إلى “دمشق”.

إن هذا المكان المقدس يحتضن تبتلات وتمتمات وأدعية وأرواح ورموز مؤمنين تعبدوا الإله بأشكال وتعابير مختلفة وجميعهم مروا من هنا، فكيف يمكن لمن ينتمي إلى هذا المكان أن يحمل تعصّباً، (سواء كان مسلماً أو مسيحياً أو متعبّداً لجوبيتر أو متعبّداً لحدد)، وهو يعرف أن إيمانه إنما هو حلقة في سلسلة متصلة (لا تقبل الانقطاع) من الإيمان الكلي لهذا المجتمع بالتنوع والحياة والحضارة.

في حمص يتوضع معبد مارس ويمارس وظائف مشابهة من حيث تعدد العبادات خلال حقب مختلفة، إذ يعتبر معبد الشمس (ايلاغابال) من أهم ما اشتهرت به حمص خلال فترات الديانات السورية القديمة، وأبعدها أثرا فى الحياة السياسية للمنطقة وللإمبراطورية الرومانية، إذ كان لهذا المعبد دور محوري في وصول أسرة سبتموس الحمصية إلى حكم روما في القرن الثالث الميلادي والتي كان لها في المقابل دور محوري في انتقال عبادة إله الشمس من حمص إلى روما، كما كان لهذا المعبد دور مهم في النزاع الشهير بين الملكة السورية زنوبيا والإمبراطور الروماني أوراليان في القرن الرابع الميلادي، وعند انتشار المسيحية في الإمبراطورية الرومانية واعتمادها دينا رسميا تحول بعض هذا المعبد (البالغ الاتساع) في القرن الرابع الميلادي إلى كنيسة بني على أنقاضها الجامع النوري الكبير، الذي أعيد بناؤه وتوسعته خلال أطوار الحكم الإسلامي المتعددة.

في حلب يتكرر كذلك المشهد، حيث تضم قلعة “حلب” معبدين للإله “حدد” يعودان إلى الألف الثاني والألف الأول قبل الميلاد، وفي القرن الأول ق.م كان الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر يقدم الأضاحي للآلهة في تل القلعة، وعند انتشار المسيحية شيد المسيحيون على القلعة كنائس عدة، واليوم يوجد داخل القلعة جامعان أقدمهما هو جامع إبراهيم الخليل والذي شيده نور الدين الزنكي عام 1162 م فوق خرائب كنيسة بيزنطية أما الجامع الكبير فقد بناه الظاهر غازي بن صلاح الدين الأيوبي عام 1210 م.

في طرطوس تعرضت المعابد لهذه التحولات بشكل أكثر تطور مما عداها، حيث أن متحف طرطوس حالياً كان في القرن الميلادي الأول الكنيسة المريمية الأقدم المكرسة للسيدة العذراء في سورية والعالم، واستمرت تؤدي دورها ككنيسة في زمن الاحتلال الفرنجي لطرطوس، وفي العصر العثماني أصبحت مهجورة قبل أن تتحول في نهاية القرن التاسع عشر إلى جامع، وفي عهد الفرنسيين تحولت إلى مأوى للاجئين الفارين من المجازر التركية بحق الأرمن والسريان، ومن ثم حولها الفرنسيون إلى مستودع، وفي القرن العشرين وصلت إلى الحلقة الأخيرة من التطور فتحولت إلى متحف.

والسؤال هل تتحول سائر المعابد إلى متاحف تجمع وتكثف وتختزل تاريخنا وذاكرتنا، بدلا من تقسيمها وتفتيتها وسحقها بنصل العصبيات والانفصال عن التاريخ ومحاولة القفز العبثي على التراكم الحضاري والديني.

إن هذا التراكم يضع السوريين أمام حالة ذوبان في تاريخهم وفي إرثهم الروحي، ليتحول كل سوري واعي بتاريخه إلى حصيلة كل هذا التراكم الروحي شاء أم أبى، ولتنتفي عنه التصنيفات الدينية والمذهبية.

فكيف يمكن للسوري أن يكون مسلماً أو مسيحياً أو متعبّداً لإله سوري قديم؟، وكيف يمكن للسوري الذي يتعبد في جامع حمص الكبير أن لا يشعر بمن تعبدوا قبلاً في الكنيسة التي أصبحت أسفل الجامع وبالسوريين القدامى الذين تعبدوا إله الشمس في معبد ايلاغابال أسفل الجامع كذلك؟، ألا يتواصل الدعاء الممارس في المكان ويتجمع معا؟ وما قيمة الزمن أمام إيمان الإنسان واعتقاده؟، ألا تتصل الأرواح المؤمنة التي عبرت المكان؟، ألا تحتفظ ذاكرة المكان بكل هذا الإرث الروحي؟.

ألا تنفي حجارة الجامع الأموي؟ كليا الرأي القائل أن للمجتمع السوري خصوصية لا تقبل العلمانية، ألا تكتنز حجارة هذا الجامع وفضاؤه المكاني والزماني والروحي إرثا علمانيا؟، يجمع في طياته كافة تلاوين الإيمان، ويداخل بينها في انسجام يراد تدميره تحت مسمى (خصوصية المجتمع السوري) .

إن هؤلاء الذين رفضوا العلمانية باسم خصوصية المجتمع السوري هم النقيض الكلي للإرث الروحي السوري في تراكمه وتكامله وانسجامه واتصاله، وهم يمثلون سعيا دائما نحو القطيعة والتمزق والتشرذم وانتهاك وحدة التاريخ المتجذر في هذه الأرض.

اقرأ أيضاً: سوريا وتاريخ من الغزو باسم الله – حسان يونس

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع