لماذا ندرس تاريخ “صلاح الدين الأيوبي” على حساب تاريخ “ابن سينا”؟!

صورة تعبيرية لـ "ابن سينا"

القراءة الجديدة – حسان يونس

سناك سوري-حسان يونس

تزدحم كتب التاريخ في منطقتنا بأخبار القادة العسكريين والسياسيين وانتصاراتهم وتحولات التاريخ وفقاً لهم، وقلما نجد اهتماما بأخبار القادة الفكريين، اللهم إلا على هامش حياة قائد عسكري أو سياسي، ويبدو أن هذه التراتبية قد انعكست في لاوعي مجتمعاتنا، ما أصابها بمتلازمة “الدين-السياسة”، التي أنتجت تبجيلاً لاواعياً للسيف وحامله –أيا كان هذا الحامل- على حساب القلم وحملته، وهذا بدوره انعكس في أو تفرع عن تبجيل العنف وطغيان الذكورة وانتهاك الأنوثة المترسب في أساس بنيتنا الاجتماعية، ولا شك أن التفاتة إلى الوراء تحتفي بالمفكرين على حساب القادة العسكريين وفقهائهم هي بداية جيدة للخروج من غبار وغوغاء الحروب وقادتها وما تزيغه من أبصار على امتداد أجيال من ضحايا هذه القراءة القاتلة للتاريخ.

في هذا السياق تحضر أسماء مفكرين أثارت ولا تزال تثير جدلا واسعا، فالشيخ الرئيس ابن سينا والمعلم الثاني الفارابي (حيث أن المعلم الأول هو أرسطو) وعمر الخيام أكثر أهمية من الخلفاء العباسيين والسلاطين البويهيين والسلاجقة والمماليك وفقهائهم كأبي حامد الغزالي وابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية الذين كفروا وشنعوا الفارابي وابن سينا، كما أن العالم الصوفي الكبير شهاب الدين السهروردي أهم من صلاح الدين الأيوبي وفقهائه، وابن رشد أهم من أبو يعقوب يوسف وابنه منصور سلاطين دولة الموحدين في المغرب العربي وفي الأندلس ومن فقهائهم.

اقرأ أيضاً: إراقة دم المدنية السورية بسيف البداوة- حسان يونس

وإذا كان هناك من نقاط مضيئة في التاريخ الإسلامي فهي هذه الأسماء وأقرانها وما تركته من نتاج فكري يرتكز على النتاج الفلسفي اليوناني الذي يرتكز بدوره على تراث معرفي ساد قبلاً لدى الحضارات القديمة في الهلال الخصيب ومصر، فكان الفارابي وابن سينا وابن رشد وأقرانهم من المفكرين الإسلاميين رسل الحضارات السومرية والأكادية والفينيقية والبابلية والآشورية والآرامية إلى العالم الإسلامي مرورا بالحلقتين اليونانية والفارسية في حالة من التواصل الحضاري المبهر، وهم رسل بحق، ويليق بهم أن يكونوا موضع إجلال وتقديس بديلا عن السلاطين وفقهائهم تطبيقا لدين الإنسانية الذي وضعه الفيلسوف الفرنسي اوغست كونت في القرن التاسع عشر مقترحا دينا بديلا بعد سقوط سلطة الكنيسة يحتفي بالعلماء والمفكرين والفلاسفة ممن يقدمون نفعا للإنسانية بعلمهم بدلا عن الكهنة الذين يضرونها بجهلهم وتجهيلهم، والذين أصبحوا عبئا على هذه الإنسانية.

أصبح معروفا أن الغرب دخل عصر الأنوار استنادا إلى العلماء والمفكرين، الذين أزاحوا الكهنة والسلطة المرتبطة بهم، بحيث أصبح التاريخ الأوروبي الحديث هو تاريخ العلماء ومسار تطورهم الفكري، فديكارت وسبينوزا وكانط وغوته وفولتير وهيغل وماركس أكثر حضورا من أي سياسي أو قائد عسكري أوروبي، مهما أثار من غبار المعارك ومن أنقاض المدن، ومن الممكن القول أن الغرب من خلال احتفائه بالمعرفة وبالتنوع الفكري والسياسي وباحترام الآخر وبالثورات المعرفية قد دخل عصر الأنوثة مرة أخرى، أما الشرق وخاصة الشرق الأوسط فهو من خلال احتفائه بالكهنة والقادة العسكريين لا يزال رازحا تحت وطأة الذكورة الطاغية، التي تبجّل العنف في كل مناحي التربية والاجتماع والسياسة، كما تبجّل الأحادية السياسية والفكرية والثورات السياسية والعنفية الفارغة والمدمّرة والأهم التي تتلطّى خلف الدين ورجالاته.

وإذا كان لنا أن نطمح للخروج من هذا البؤس التاريخي، فعلينا بالمفكرين ممن ورثوا الحرية الفكرية التي بثّها عمر الخيام في رباعياته أو ابن سينا في “الانبثاق” أو الفارابي في “مدينته الفاضلة” أو ابن رشد في شروحاته، وهم في زمننا المعاصر كثر كانطون سعادة وياسين الحافظ وجورج طرابيشي والطيب التيزيني وأدونيس وأمين معلوف وحسين مروة ومهدي عامل، هؤلاء يستحقون أن تؤرّخ الأيام وفقا لما عاشوا وما قالوا وما حلموا به، عندها سنستحق أن نعيش في عالم مؤنث يزيح الستائر كي يدخل بعض الضوء من نوافذ هذه الأسماء .

اقرأ أيضاً: الديمقراطية التي ارتكبها أجدادنا ونجحوا فيها – حسان يونس

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع