لطالما فكرت أن أكون لاعنفياً – ناجي سعيد

اللاعنف في مواجهة الظلم والفساد اللذان ينتجان عن ممارسة طبقة حاكمة فاسدة.

سناك سوري – ناجي سعيد

لطالما فكّرت أن أكون لاعنفيًّا، وهذا ما يجعلني دائم البحث بين أزقّة ودفّات الكتب والمراجع والقصص التي تروي تجارب اللاعنفيين في العالم. فبدءاً من تجربة غاندي الأشهر في العالم والتي حقّق من خلال ثورته تحريراً من مستعمرٍ بريطاني، إلى غيرها من تجارب لم يُسلّط عليهم الضوء، ومنهم من اعتمد غاندي على مواردهم البشرية لإنجاح تحرّكاته اللاعنفية مثل عبد الغفار خان (من الباكستان) الذي شارك رجاله في مسيرة الملح.
لكن، هل اعتمدت تجربة غاندي على تفاصيلٍ مكوّنة لشخصيته؟ أم لا؟ على ما أعتقد من خلال مراجعتي لتجربته النضالية، فقد كانت نقاط قوّة استمراريتها تعتمد على ركيزة احترام ووجود الإنسان والحفاظ على كرامته. فاللاعنف يبدأ أولاً من الداخل، من الذات الإنسانية، فرديةً كانت أم جماعيّة. ثم تذهب الخطوة الثانية والجماعية، لتحقيق المطالب المنشودة بطريقة لاعنفية، فتدرس الجماعة اللاعنفية أهدافها، وتستطلع كيف يمكن تعطيل سوء استخدام المرفق الخدماتي (من قِبل الظالم الفاسد) الذي يُزيد ظلمًا على الشعب وفسادًا عند الطبقة المسيطرة.
والهدف المزدوج هنا يستحق تحديد الأولوية، أيّهما يحتاج مواجهة قبل الآخر؟ هل نحتاج وقف الظلم المُمارس على الشعب؟ أم مواجهة الفساد لدى الطاقم السياسي المكوّن للسلطة الحاكمة؟ الفاعل نفسُه في هذه القضية، فالظلم والفساد ينتجان عن ممارسة طبقة حاكمة واحدة فاسدة. لكن لكي تكون مواجهتنا ناجعة، بالطبع قد نتبع مسار المقولة الشعبية المؤثرّة: (بدنا ناكل عنب وما بدنا نقتل الناطور) فمن ميل، هذا ضمان للحفاظ على نهج لاعنفي أنا مؤمن به. ومن ميلٍ آخر ضمان الحصول على نتيجة مُحقّة لصالح الناس.
فالحراك أو نستطيع القول “ثورة”،لا يستهدف أشخاصًا فاسدين طبعاً، فالإستهداف هو لنهج فاسد، طويلُ المدى لأنه يتعامل عقلانياً مع الأسباب وليس مع النتائج، فالفساد هو النتيجة، أما الأسباب فهي بالنموذج اللبناني تأتي من جرّاء سوء استخدام شاغلي مناصب المسؤولية الذي تولّوا سُدّة ” تزعُّم” السلطات الثلاث المُكوّنة لنظام الحكم في لبنان، الدولة المدنية دستورياً ونظام الحكم برلماني حُرّ.
إذا من أين جاءت الطائفيّة؟ يمكن توجيه التهمة مباشرةً إلى طبقة فاسدة إستغلّت عدم وعي الناس بمسؤوليتهم واستهتارهم بمفهوم المواطنة لديهم، هذا المفهوم الذي يظهر جليًّا من خلال ممارسة أبسط حقوقهم بالتصويت لإنتخاب ممثّليهم في السلطة التشريعية، والتي تُنتخب من خلال قانون انتخابي خلّفه الإستعمار على قاعدة 6 و6 مكرّر.
نعم فكان الحلّ الوسطي الذي دمّر مفهوم المواطنة اللبناني، هو مناصفة التمثيل بين الطائفتين المُكوّنتين للبنان (الإسلام والمسيحية). وعلى هذا الأساس الطائفي تطوّرت قوانين انتخابية أنضج وأعمق طائفياً (وما بُني على باطل هو باطل) لصالح الطبقة المُستفيدة من الفساد الذي استشرى وتحكّم في جسد المُواطنَة اللبنانية. فمخالفة القانون أصبحت أمرًا اعتياديًّا، وصارت هذه “الإعتيادية” سببًا رادعًا لخفض المعيار القِيمي الذي يُعزّز مهارة التفكير النقدي والتي تضمن مسار صحّي سليم في العمل على تطوير القوانين الإنتخابية لصالح الناس طبعاً.
وما يمنع الناس من ممارسة سلوك المواطن وتعزيز مفهوم المواطنة، بالأساس هو نشوء جيل الحرب على فكرة ربط تأمين “لقمة العيش” بالولاء للزعيم الفئوي، الذي يلبس قناع الخدمات المُزيّف الذي يضمن إلتصاقه بكرسيّ الزعامة (لفئة/طائفة/ مذهب..)، ممّا كرّس في عقول جيل الحرب هذا بأن الزعيم، له الفضل بتلك الخدمة دون التفكير حتّى بأنه حوّل واجب “ممثّل الشعب” إلى تقديم خدمة “يُمنّن” بها العائلة ليضمن كرسي الزعامة منه لولد ولد ولده.

اقرأ أيضاً الجياع يثورون – ناجي سعيد

والفساد هنا لم يقتصر على نهب الأموال العامة، بل تعمّق في هدم هويّة وطنية تحمل في طيّاتها عدّة قيم، لا بل حوّل الفساد المُستشري، هذه القيم إلى بدائل تخدع المواطن بأنها قيم لصالحه، فالإنتماء استُبدل بالولاء، ورُبط دينيًّا بالواجب المُقدّس الذي يُرعب المواطن عقاب مخالفة هذا الواجب. وقيمة الواجب لممثّل الشعب تحوّلت إلى خدمة يعود فضل حصولها إلى شخص النائب الكريم الداعي للخير ومصلحة الناس شكلاً، ولاستمرارية التصاقه بكرسي الزعامة مضمونًا.
إنني مُتيقّن بأن العطر الجميل الذي يستخدمه شخصٌ على جسدهَ المُتّسخ والذي لم يستحمّ قبل استخدام العطر، لا بدّ أن يأتي وقتًا يعي فيه الشخص بأن النظافة تبدأ من “الحمّام الشخصي” لتتزيّن بالعطر الخارجي. فالقيم الإنسانية الجميلة التي لابد أن أسخر من استخدامها من قبل الأحزاب السياسية التقسيمية كأسماء لها.. المستقبل والأمل والوطنية والحرية.. لإعماء الناس عن رؤية الفساد السياسي، الإجتماعي، الإقتصادي.. الذي يضرب مفهوم المواطنة طبعاً.
كإنسان ولاعنفي أرفض تماماً الشعار الزائف (العيش المشترك)، نحن نحب بعضنا في بلد الطوائف المتعدّدة: إسلام مسيحية ودروز و..إلخ..” فنحن لبنانيون فقط، هكذا قال الجيل الجديد، جيل ما بعد الحرب الذي أعلن انتهائها فعلياً وعدم قدرة الطبقة الحاكمة على التلطي خلف خطر وقوعها.

اقرأ أيضاً القناعة كنزُ فنى وولَّى زمنه – ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع