لا ضرر لا ضرار – ناجي سعيد

ناجي سعيد

عن المساعدات والمعونات والمدير الذي قال مشيراً إلى طالب بجواره: هذا الزمك بيفهم قدكم كلكم!

سناك سوري-ناجي سعيد

قد لا يخطُر ببال أحد بأن يكون الطريق إلى الخطأ مُعبّداً بالنوايا الحسنة. فبدءًا من البيت إلى المدرسة، إلى الشارع والمجتمع، إلخّ..، غالبًا ما تكون نيّة المرء خدمة الآخر، وغالبا بطريقة غير مباشرة، يسبّب له الأذى. ولم يكن ببال ذلك الطفل المُجتهد، المُتفوّق بدراسته، الذي لا يفعل أكثر من واجبه، كطفلٍ ملتزم بأسرته، فقد فتح عينيه، على أخوةٍ يدرسون، وأبٍ لا يرفع عينيه عن قراءة الجرائد، وما تيسّر أمامه من كُتُب مدرسيّة لأولاده السبعة. لم يقصد هذا الطفل المذكور، أذيّة الآخرين. وكانت الحادثة سنوية. فهو الأوّل على أبناء صفّه، ولكن لم يكن بعمر الوعي ليوجّه أساتذته، والطاقم الإداري كافّةً، بأن يتوقّفوا عن المديح والإطراء له. فهم يبدأون برمي التبريكات والإثناءات والشكر الموصول للطفل ولأهله على هذا الإنجاز.

ولكن العوامل التي لا بدّ من ذكرها، مرتبطة بالبيئة الحاضنة. فالطفل المجتهد، وقد عَلِمَ بعد وعيه طبعًا، بأنّه لم يكُن مُميّزًا عن الآخرين بالذكاء مثلاً. لكنّه كان ملتزمًا أكثر. وما صُدم به عند وعيه وانتهاجه مهنة مدرّب على تحويل النزاع، هو تعرّفه على مقاربة “لا ضرر لا ضرار” وهي منهجيّة تدرّب عليها وتُدعى في علم النزاع: Do No Harm approach وما لم يكن بالحسبان بأن تستخدم الطبقةُ التعليميّة هذا الطفل المجتهد كأداة لأذيّة الآخرين؟.

والمشكلة الأكبر، بأن باقي الأطفال (في الصفّ والمدرسة) كانوا يبتسمون لا بل يضحكون من السخرية عليهم ولا يخجلون من أنفسهم. ففي الصف، يدخل مُدرّس أحد المواد ويطلب من الطلاب التصفيق لهذا الطفل المجتهد، ولم يكن يُقدّم لهم النصائح، ليحذوا حذوه. والأفظع، حين حصل على مجموع علامات يضعه في المرتبة الأولى في المدرسة كلّها.. ولكن هذا ضمن النظام التقليدي التعليمي، التلقيني، وغير التربوي! والحادثة التي أدرك لاحقًا بأنها تُسبّب الأذى لزملائه اتّسمت بالسخرية من باقي الطلاّب، وكان أن حدث ذلك بطريقة المديح لهذا الطالب المتفوّق عن طريق السخرية من الآخرين.

اقرأ أيضاً: التعاطف في اللاعنف – ناجي سعيد

نعم فقد نادى ناظر المدرسة الطالب المُتفوّق وذلك أثناء الطابور الصباحي ورفع الطالب الصغير الحجم أمامهم وقال لهم: هذا الزمكّ (الصغير الحجم باللهجة العاميّة) بيفهم قدّكم كلّكم… دون إدراك الناظر ولا الطالب المُكرّم طبعًا، بأن هذا التصرّف النبيل (حسب معرفتهم) لا بُدّ أنّ يؤذي الآخرين.

ومن جانبٍ آخر، وفي مثالٍ واقعي، لتوضيح مقاربة “لا ضرر لا ضرار” تتهافت الجمعيّات الدوليّة على المناطق المنكوبة مثلاً، بهدف المساعدة، فتوزّع كراتين المساعدة بنيّة المساعدة وإصلاح الضرر الحاصل حينها. ولكن الخطأ الجسيم التي ترتكبه يكون بتقديم المساعدة لعائلات ولا تُقدّمها لغيرها، لأسباب مُعيّنة غير مُعلنة. وقد كانت مقاربة الـ “لاضرر لاضرار” أو بصيغة أخرى “لا تؤذِ” هي الأساس كي لا تكون نتيجة حلّ أو تحويل النزاع هي خلق نزاع آخر.

وهنا لا بُدّ من التوضيح إلى كلّ من يعمل لتقديم المساعدة ضمن مشروع عنوانه اللاعنف ونشر السلام في منطقة منكوبة بأن يدرس سياق المنطقة بأكمله. فلا يبدأ مبادرته دون معرفة تفاصيل تعود بالفشل على مبادرته، وبذلك تؤدّي الطريق المُعبّدة بالنوايا الحسنة إلى النبع الذي يروي جميع القاطنين حوله. فدراسة الاحتياجات هي الخطوة الأساس لبدء مشروع يؤسّس لبناء سلام مُجتمعي دائم. وهكذا نتأكّد ونفهم بأن السلام ليس هِبة من جمعيّة دوليّة تفرض أجندات خارجيّة على البلدان الفقيرة المنكوبة، بل يكمن السلام في إيجاد مساحات تمكين الشعب المحلّي ليساعد بعضه البعض، وهنا يكون التضامن فتتّسع حالة السلام داخل نفوس البشر دونما ضغينة وكره مُتبادل.

السلام يتمّ بتكامل قيم إيجابيّة من داخل المجتمع، لا يمكن ربطه بشروط خارجيّة، فالسلام الخارجي المشروط هو عنف مُمنهج.

اقرأ أيضاً: عنف السلطة وغاندي – ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع