كيف يمكن لسورية أن تكون اليابان أو كوريا الجديدة؟

صورة تعبيرية - سوريا واليابان2020

هل يمكن لسورية أن تكون اليابان أو كوريا الجديدة؟

سناك سوري – علي فيصل معروف

من الصَّعب على من يرى مستوى التطور الحالي في اليابان وكوريا الجنوبية أن يصدق أن هذه الدول خرجت من الحرب قبل بضعة عقودٍ فقط. كذلك، من الصعب على من يرى مستوى التطور العلمي في إيران أن يصدق أن كل هذا التطور تحقَّق تحت الحصار السياسي والاقتصادي، وأن يتساءل هل يمكن لسورية تحقيق معجزة اقتصادية وتقنية جديدة بعد خروجها من الحرب؟ الجواب أننا كما الآخرون قادرون على تحقيق ذلك ولكن الأهم كيف؟
المُشترك بين هذه البلدان جميعها وغيرها من دول المعجزات الاقتصادية لاسيما في جنوب شرق آسيا هو اتباع سياسات حكومية هادفة إلى تحقيق التطور التقني والاقتصادي على التّكامل والتوازي وهو ما بات يعرف عالمياً بسياسات العلوم والتقانة والابتكار.
يُقصد بسياسات العلوم والتقانة والابتكار الاستراتيجيات والخطط الحكومية التي تهدف إلى تحديد الأولويات في هذه المجالات الثلاث وتعريف الأدوات الحكومية (التشريعات والبرامج والقرارات والإجراءات) التي يمكنها أن تُساهم في الوصول إلى الأهداف الموضوعة ضمن السياسة والتي غالباً ما تتلخص في تطوير صناعات معينة وتأسيس أو دعم مراكز بحثية متخصصة في العلوم و التقانات المرتبطة بهذه الصناعات.

اقرأ أيضاً: التنمية العميقة.. مسائل أولية – مازن بلال

ما الذي يجب أن تقوم به الحكومة السورية للتحول بهذا الاتجاه؟

لا بد لسورية كدولة خارجة من الحرب أن تعرّف أولوياتها الابتكارية لمرحلة إعادة الإعمار، أي أن تُحدد المنتجات التي ستكون مطلوبة في السوق السورية أو تلك التي يمكن تصديرها إلى دول الجوار أو غيرها. يتم ذلك عادةً عبر ما بات يعرف ببحوث استشراف المستقبل “Foresight Studies” والتي تمتلك مجموعة من المعايير لتحديد الأولويات الابتكارية. ونظراً لعدم ممارسة هذا النوع من الدراسات في سورية لابد من التعاون مع منظمات معنية تقدم الاستشارات عادةً للحكومات، على سبيل المثال هناك “اليونيسكو” التي تمتلك برنامجاً متخصصاً في هذا المجال. كذلك، يتم ربط الأولويات الابتكارية المُحددَّة بالمجالات العلمية والتقنية المتعلقة بها أي تحديد قائمة المجالات العلمية التي يترابط تطورها والبحث فيها مع تطور قائمة الصناعات المختارة. لاحقاً، لا بد أن تعرف هذه الاستراتيجية الإجراءات الحكومية التي ستشجع على التحول في هذا الاتجاه، أي تعريف حزمة من الإجراءات التحفيزية لرجال الأعمال للاستثمار في المجالات الابتكارية (الصناعية) المحددة والعمل على تأسيس ودعم مراكز بحثية، لا سيما داخل الجامعات في هذه المجالات في ظل قوانين أكثر مرونة لهذه المراكز تُمكنها من التعاون وفق أطر قانونية واضحة مع القطاع الخاص وتكفل لها تمويلاً أكبر.

من أين يُمكن أن تموّل استراتيجية كهذه؟

من المفيد تأسيس صندوقين، الأول يختص بدعم البحث العلمي والتطوير التقني في الجامعات والمراكز البحثية المتخصصة في المجالات ذات الأولوية المحددة في الاستراتيجية. يمكن تمويل هذا الصندوق عبر تخصيص نسبة من إيرادات الجامعات الخاصة عالية الربحية في سورية لتمويل هذا الصندوق حيث لابد لهذه الجامعات من أن يكون لها دور في تطوير البحث العلمي في سورية.

اقرأ أيضاً: التعثر والبحث عن التنمية – مازن بلال

أما الصندوق الثاني فيهتم بدعم الابتكار في الشركات الكبيرة أو الشركات الناشئة عبر برامج مختلفة. يتم تمويل الصندوق الثاني عبر تخصيص نسبة محددة من إيرادات الشركات عالية الربحية.
من المهم التأكيد على أن دور الدولة ليس الجباية وإنما تحفيز الجهات جميعها على الاستثمار في البحث العلمي والابتكار وتخفيض مخاطر هذا الاستثمار عليهم. لذلك، لابد للدولة من أن تتيح للجامعات الخاصة والشركات القيام باستثمار هذه الأموال بنفسها في البحث العلمي أو الابتكار وفق ضوابط محددة.

من يدير تنفيذ هكذا استراتيجية؟

تشير تجارب الدول العالمية في هذا المجال ومنها كوريا الجنوبية واليابان وإيران إلى الحاجة إلى وجود جهة مركزية في البلدان النامية على أعلى مستويات اتخاذ القرار لتكفل الدعم المستمر وتجاوز البيروقراطية وبالتالي تنفيذ الاستراتيجية على الوجه الأمثل. هذه الجهة عادة هي مجلس أعلى برئاسة رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء. تمتاز التجربة الإيرانية بوجود نائب رئيس للجمهورية لشؤون العلوم والتقانة والابتكار يشرف على إدارة عدة مؤسسات ويتفرغ لهكذا عمل بشكل دائم. يتيح وجود هذه الجهة الربط بين التطوير في المجال العلمي والبحثي والتطوير في قطاع الأعمال والتواصل المستمر بين هذين المحورين. فالوصول إلى اقتصاد المعرفة يتم فقط عبر تنسيق الجهود وربطها على هذين الجبهتين وليس بإدارتهما بشكل منفصل تماماً.

أين نحنُ الآن؟

تمتلك سورية ملفاً أطلق عليه “السياسة الوطنية للعلوم والتقانة والابتكار” إلا أن الملف يشكل بأغلبه قائمة بالمواضيع البحثية التي يفضل أن يتم إجراء الأبحاث فيها وهو غير مرتبط بالابتكار أو بالمحور الاقتصادي. يغيب عن الملف أية خطط أو إجراءات حكومية لتحقيق تطوير ممنهج في مجالات العلوم والتقانة والابتكار وهو ما يجب أن يكون عادةً في أي ملف سياسة عامة. أي أن نقطة الانطلاق تكون بتطوير ملف سياسة حقيقي بالتعاون مع خبراء عالميين في هذا المجال نظراً لحداثة هكذا مجال بالنسبة لسورية. يتيح التدريب وتوطين الخبرة في هذا المجال عبر تأسيس مراكز بحثية متخصصة بقضايا هذه السياسات وبحوث الاستشراف بالتعاون مع المنظمات الدولية استدامة هكذا عملية في سورية وعدم الحاجة للاستعانة كل مرة بالخبرات الدولية.

إن السوريين كغيرهم من الشعوب ليسوا بأفضل ولا بأقل منهم، وما حققه الآخرون يمكن تحقيقه لدينا إن عرفنا بدقة الطريق إلى ذلك. إنَّ ما يحدد مستقبل أجيالنا القادمة هو طريقة تعاطينا اليوم مع واقعنا وتحلّينا بالمسؤولية تجاه مستقبلنا؛ فالطريقة الوحيدة لرد الجميل لكل من ضحى في سبيل سورية هي بناء وطن قادر ومتطور يعيش فيه أبناؤه حياةً رغيدة كريمة.

اقرأ أيضاً: النقابات القوية ودورها المحوري في تحقيق التنمية الشاملة – ياسين حسين

علي معروف – ماجستير في إدارة الابتكار

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع