كيف خيبت أمل “أمي وحماتي” بانجاب الصبي؟ – ناجي سعيد

حتى مريم العذراء لم يتم التركيز على معجزتها بل على ابنها

سناك سوري – ناجي سعيد

منذ عشرات آلاف السنوات ترك القدماء من العصور الحجرية، نقوشًا و رسومًا على جدران الكهوف، تُجسّد  أعمالهم ونشاطاتهم التي كانت بهدف الحفاظ على حياتهم وضمانة استمراريتهم وديمومتهم. وكان نشاطهم البدائي زراعياً. فلم يكن أمامهم موردٌ يستمدّون منه الحياة سوى الأرض والأنشطة التي تستثمر الأرض كمورد للغذاء والحياة. ورمزيّة التعبير عن هذا النشاط الإنساني كانت توحي بمعتقدات وأفكار قلّما عبّر عنها إنسان ذلك العصر بوضوح.
وقد أتى بعد ذلك العلماء وفسّروا الكثير من الظواهر وحلّلوا أمورًا أعتقدوا بها، لكنهم لم يمتلكوا وعياً يجعلهم يفسّرونها. فنشاط الزراعة في الأرض، يوحي إلى الأم والخصوبة، فالأم تنجب ذريّة صالحة، والأرض تعطي بذورًا وثمارًا للحفاظ على الإستمرارية في الحياة.”كانت المرأة بالنسبة لإنسان العصرالباليوليتي موضع حب ورغبة، وموضع خوف ورهبة في آن معًا”[i]  وقد كانت المرأة بمثابة إلهة حُب وجمال وخصوبة، واختلف اسم الإلهة من حضارة إلى أخرى، لكنّ المعنى نفسه. والمرأة هي نفسها. وكأنّ حضارات ما قبل الأديان السماوية كانت تميل بمعتقداتها إلى تأليه الأنثى. إلى أن نزلت الرسائل السماوية محمولةً من قبل أنبياء ذكور. وحتّى مريم التي حملت نبيًّا وهي عذراء لم يتمّ التركيز على معجزتها بل على ابنها النبي يسوع.

كُلّ هذه المُقدّمة لمحاولة معرفة: لماذا في عصرنا الحالي يُفضّل أن يُرزق الإنسان بمولودٍ ذكر وليس أنثى؟ مع العلم بأن الجذور التي تُثبت ألوهية الأنثى وأهمية دورها في الخصوبة واستمرارية الحياة والحب هي جذور تاريخية وليست وليدة اليوم. ما سر القطيعة بين الحضارات القديمة وحضارات الديانات السماوية، والتي قضت إحداها على عادة “وأد البنات” وهي إحدى العادات الجاهلية الظالمة والمجحفة بحق الإناث حينها. فعلاً فمن المُستغرب، كيف لرسالة سماوية حرّرت المراة من الدفن حيّة، أن تدفنها من خلال السلوك والمعاملة غير المُنصفة؟ ففي مجتمعاتنا الحالية، تنفرج أسارير الرجل حين تُنجب زوجته مولودًا صبيًّا. فالصبي يحمل اسمه ويرثه بكل شيء. وأنا أعرف أكثر من عائلة، أصرّوا على الإنجاب، وأنجبوا عشر بنات وأكثر، إلى أن رزقهم الله بصبيّ. وقد كانوا يطلقون على البنات أسماء مثل “كفاية” و ” نهاية” على أن يكون معنى الاسم مناجاة لربّهم لينهى “خلفة” البنات ويرزقهم صبيًّا.

اقرأ أيضاً هل ذبحت لكم أمهاتكم طير الحمام لكي تناموا؟ – ناجي سعيد

وبما أن الماضي يتحكّم بالوعي الجماعي للبشر، فقد يُمكننا أن نؤكّد بالإستناد إلى التاريخ، وليس القديم جدًّا، بأنّ تاريخيًّا كان مجتمعنا زراعيًّا، أي أنّه يعتمد على الزراعة كمورد رزق الناس. وبالتالي تتكوّن ثقافة وهويّة المجتمع من سلوكيات مُجتمعية، لا بل عائلية، وهذا يدفع العائلات إلى تفضيل الصبي على البنت، لأنهم يعتقدون بأن بُنية جسد الصبي وعضلات جسمه صلبة وتتحمّل القيام بأعمال شاقّة، وبالتالي يساعد والده في زراعة الأرض وجني المحصول. أما البنت فتساعد أمّها في المنزل، وهذا كرّس العديد من العادات والتقاليد الإجتماعية. فالبنت لا تخرج من منزل والديها أبدًا وهذا مؤشّر على تهذيبها وتأديبها، فهي تخرج مرة واحدة مباشرة إلى منزل زوجها.

عادات كرّست المجتمع ليكون ذكوريًّا، وميّزت صفات الصبي عن البنت. مع العلم بأنّ التربية اللاعنفية، لا تُميّز صبي عن بنت. والحياة أثبتت مع تطوّر المجتمعات بأن كلّ أعمال الرجال بإمكان المرأة القيام بها، لا بل تتميّز المرأة بخاصيّة الإنجاب عن الرجل. وهذه العملية تكامليّة بين الرجل والمرأة.

الموقف الذي واجهته بإصرار ووعي مكّنني من تحملّ “نق” والدتي وحماتي، حيث كانتا تريدان منّي تحقيق حلمهما بإنجاب صبي.

وقد كانتا تقولان: “ما بدّك تزين بنوتّك بصبي؟ يلاّ” وقد كنت أجيب أنّ ابنتي هي زينة حياتي ولا ينقصني تزيين. ولا يهمّني أن ترفع رأسي، بل كنتُ حريصًا بأن ترفع رأسها هي. وهي من حرصت أن تُحققّ حلمها وليس حلم أمّها وأبيها. ألم نقرأ “جبران خليل جبران” حين قال: ” .. أولادكم ليسوا لكم، أولادكم أبناء الحياة..” إن هذا ليس شعارًا سفسطائيًّا، بل حقيقة، يجب أن يدركها الناس كافةً، بأن الإستمرارية لا تعني أن نُنجب صبيًّا يحمل اسم جدّه، وهذا الصبي بدوره ينجب ابنًا يحمل اسم أبوه.. وهكذا. والطامّة الكبرى بأنّي وزوجتي لم نختر اسمًا تقليديًّا لابنتنا، فقد أخبرتني زوجتي عن اسم إحدى طالباتها وهي هندية: “هُما”. فبحثت فورًا في المُعجم، لأجدأن الاسم هو “هُماء” وهو اسم طائر كان الملوك الفُرس يضعون ريشه في تيجانهم رمز العزّة والإباء. وقد خفّفنا الاسم من هماء إلى هُما، وهذا ما ميّز هويته المُستقلّة طوال فترة الدراسة. وأخيراً،  فالحياة ليست تكرار بيولوجي، بل الحياة إعطاء حياة لإنسان آخر ينتج ما يفيد البشرية، مهما كان مستوى هذه الفائدة، فالإستمرارية للحياة الدائمة وليست للأشخاص الزائلين.

اقرأ أيضاً التمييز الجندري – ناجي سعيد

[i] السوّاح، فراس- لغز عشتار-دار الكندي، الطبعة الثالثة 1988

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع