كما التاريخ.. الباص أيضاً يعيد نفسه!

هل تعتقد أن زمنك تطور كثيراً عن زمن والداك.. “الباص” يجيبك عن هذا السؤال؟!

سناك سوري – كنان خضور

لم يكن الجري والتعلق على السلّم الخلفي لباصات “السكانية” هواية عند طلاب الإعدادي من جيل ثمانينيات القرن الماضي أبناء الدخل المحدود، بل كان الوسيلة الوحيدة للوصول إلى مدارسهم دون عناء السير، فهم بالمنطق متطورين عن آبائهم الذين كانوا يقطعون عدة كيلو مترات سيراً على الأقدام من أجل التعلم.

ولأن الحظ يدخل في مكونات ذهنية الطالب المحلي، فكان هناك من يسعفه الحظ ويركب في غرفة الباص دون أن يقطع تذكرة وهناك من يجري أكثر من منتصف الطريق حتى يتعلق بسلّم الباص ويوفر على نفسه عناء النصف الآخر، أما صاحب الحظ المتعوس هو من كان لا يجد لنفسه مكاناً يتعلق به سوى مدخنة الباص الساخنة ويقضي طريقه متورطاً، إما أن يحرق يديه أو يرمي نفسه ويتدحرج خلف الباص الضخم.

ثم تغير الحال في مطلع التسعينيات، فقد انقرضت الباصات وانتشر في البلاد “الميكرو باص” الذي أطلق عليها الطلاب أسم “سرفيس آسيا” ذاك السرفيس الرشيق الأنيق ذو الغرفة التي لا تتسع سوى للجالسين ولا يوجد بخلفيته أي وسيلة للتعلق به و بأجرة لا تتعدى الثلاث ليرات فقط.

اقرأ أيضاً: معركة ركوب السيرفيس تقتل واحداً من أصل 12 شخصاً

الأمر الذي عاد بالراحة للكثير من المواطنين باستثناء طلاب الإعدادي أبناء الدخل المحدود الذين تقتصر عطلتهم الأسبوعية على يوم الجمعة فقط أي عليهم أن يدفعون “72” ليرة شهرياً حتى يصلون إلى مدارسهم بكرامة وهذا من المحال فتحولت عادة التعلق بسلم الباص إلى التعلق بصندوق “البك آب” وما شابهه من آليات.

لأن التكرار يولد العادة، اعتاد ذاك الجيل على الجري، و راح يجري في كل مفاصل الحياة ويطمح بأن يؤمن لأبنائه عناء طريق الوصول إلى مدارسهم ولأن الحظ يبقى ذو السلطة الأكبر في هذه البلاد تغيرت المعطيات وعاد زمن الباصات بألوانٍ زاهية، خضراء وزرقاء، وأصبحت عادة التعلق على السلم بالخلف آمنة إذا ما قارناها بالتعلق على الأبواب.

ربما الحقيقة في بلداننا تقتصر على ما يقوله جارنا بائع اللبن ذو الثمانين عام: «علينا أن نكدح و نجري جري الوحوش حتى نصل»، فالتطور في هذه البلاد متفق مع الشكل ومتخاصم مع المضمون.

اقرأ أيضاً: عذراً رئيس الحكومة لكن سائق السرفيس أكثر أهمية

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع