قل كذبا أو اصمت !!!!

سناك سوري – عهد مراد

لم يكن سهلاً على الإطلاق أن اصمت ذاك اليوم عن قول الحقيقة، والتي شاهدت فيها كيف تعرض ذاك الأب لصفعة بعد نقاش مع رجلِِ ضخمِِ على باب أحد الجُحم المنتشرة في سوريا – والتي شاء (القدر ) أن توجد في بلادنا قبل الآخرة حيث أوانها..!! – وهو يسأل عن ابنه المفقود، إلا أن الأب وبنظرة لا تستطيع اللغة مقاربة وصفها طلب مني دون بوح أن لا أتحدث عن هذا الذل الذي أصابه!!!
كان سؤالي الدائم يومها، لماذا الصمت؟؟ لماذا لا نقول الحقيقة ؟؟
فيأتي الجواب محمولاً على إرثنا الشفهي بأن (قل خيراً ، أو اصمت). خيراً؟؟ أوليس نقل الحقائق خير؟؟
بدا لي هذا السؤال جحيماً لا يمكن استيعابه، هل واجبك اليوم أن تقول الحقيقة دون زيادة أو نقصان، الحقيقة المبنية على مشاهدتك؟ أم عليك أن تضع أثر قولك في الميزان قبل القول؟؟
ولأني لا أريد حصر الفكرة بذاك الجحيم الذي يخفي بين جدرانه آلاف المعتقلين، رحت أبحث عن بعض الحقائق المختبئة في طيات الصراع السوري، قلبت أرشيفنا الحديث وحكايا الناس الهاربة من قهر الأفرقاء يميناً ويسار، وفي الحقيقة فإن مسألة لاتحتاج للكثير من البحث هي التي تتصدر المشهد، الحقائق مخزية ونقلها لا يأتي إلا بالدماء، الحقائق فتنة!!!
علينا أن نكذب كي ننقذ الناس من أحقادهم وأن نستعين برأي (مالكولم ماغيريدج) حين قال: ” البشر لا يصدقون الكذب لأنهم مجبرون على ذلك، لكن لأنهم يريدون ذلك”، أنا واحد من هؤلاء البشر الذين لم يعودوا يستطيعون قبول الحقائق لأنها لا تفعل شيئاً إلا تربية الأحقاد، الحقيقة في هذا البلاد هي أن لا ملائكة هنا ولا أبرياء إلا الضحايا، الحقيقة أن الخير غير مُكتنزِِ في الحقائق مما يجعل قول الخير وقول الحقيقة لا يستويان.
والمشكلة أننا -وبحسن نية – اذا ما رأينا ما يشبه الحقيقة قد يأتي بخير ركضنا لقوله دون أن نتبين من ماحوله (ماحوله هذا الذي يجعله نصف حقيقة ) خير في سياق الشر، ولكننا ولأننا نخاف الحقيقة، تلك التي تحمل تبعاتِِ دموية نفضل نصفها!! نصفها هذا الذي لا يتعدى كونه أكثر جبناً من الأكاذيب.!!
ما الحل إذن؟؟ ما الذي علينا قوله أو نقله للناس، هل ننقل مشاهداتنا في بلادِِ لم يعد أهل الخير فيها أهلها؟ فلاهم الفاعلون ولاهم الآمرون ولا هم الدعاة؟؟ ماذا ننقل إذن وماذا نحكي للناس كي نهدئ روعها؟.
علينا لربما أن بحث عن ما يشبهنا ، ثقافتنا ، بنية مجتمعنا وطرق الحل خاصتها، كثيراً ما سمعت من كبار السن في بلدي (عُقالها) أن حكمة “إذا كان الكذب ينجي فالصدق أنجا” هي حكمة للأشخاص وليست للمجتمعات، للحالات الفردية وليست للقضايا الكبرى، ولطالما همسوا لي بأنهم كذبوا كثيراً (وقد ألحقوا كلمة كذبنا بجملة “الله يسامحنا”) ليصلحوا بين الأفرقاء!! وقد أردفوا بأن الكذب في غاية الصلح خير.
أما ولم يعد في هذه البلاد خير يُنقل، ولا خبرٌ لا يزيد الحقد فليس لي إلا أن أقول أن الحقيقة والخير نقيضان، ولكي نصلح ما بين الناس علينا بأن نكذب عليهم وأن لاننقل هذا التاريخ معنا ولا نذكره فلا خير فيه. هنا يوم يصبح الزمن عاهر صار لا بد أن نقول (قل كذباً….. أو اصمت).

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *