قاصرات في درعا تركن ألعابهنّ ليتزوجنّ

صورة تعبيرية-انترنت

“أبو ياسين” زوج ابنه 16 عاماً بابنة شقيقه 14 عاماً يقول: يا متزوج الصغار يا غالب التجار!

سناك سوري – شاهر جوهر

آخر مرة رأيت فيها “رهف” 13 عاماً، قبل شهر تقريباً، كانت إلى جانب الزقاق أمام حارتها، تضع شالها على كتفيها و تلعب “الحجلة” مع صديقتيها. والبارحة فقط علمت أن “رهف” ستصبح عروساً بعد أيام.

أعتقد أنها الآن تودع ألعابها، وتخرج من بين الوسائد جهاز التلفزيون، الذي كانت تخبئه كل يوم عن إخوتها كي لا يبدلوا قناتها المفضلة الخاصة بمحتوى أفلام الكرتون، ولربما تُفلتُ لها الآن أمها جدائلها الصغيرة وتمشط لها شعرها، ومن يدري قد تكون اشترت لها إصبع حمرة وتخبرها أن هذا الاختراع تضعه النسوة المتزوجات على الشفاه ليلة زفافهن.

في كل حي أو حارة أو مدينة في الجنوب السوري، هناك فتاة قاصر مثل “رهف” منعها أهلها من اللعب ورموها في فراش رجل، خوفاً عليها من العنوسة أو بسبب الفقر، أو لأنهم يجدونه موروثهم الثقافي المقدس، فبعد الحرب ازدادت نسبة تزويج القاصرات بشكل كبير جداً في “درعا”، وباتت تلك الظاهرة تتنامى كنوع من استراتيجيات البقاء الاقتصادي التي يتبعها ولي الأمر للخروج من ضائقته الاقتصادية.

ففي تقديرات غير رسمية بلغت نسبة ممن هم تحت خط الفقر في البلاد أكثر من 90 في المائة، وهو أمر طبيعي مقارنة بحالة التضخم الكبيرة التي أصابت الأسعار فيها وارتفاع نسبة البطالة بعد عشر سنوات من الحرب المستمرة، ما يعني أن المعيشة في العائلات الكبيرة المكونة من عدة أفراد لا قدرة لها للاستمرار ومواجهة صعوبات الحياة سوى بتزويج الفتيات لتخفيف الأعباء الاقتصادية.

تقول “هبة” وهي طالبة علم اجتماع في “درعا”: «تختلف نسبة وحجم هذه الظاهرة ما بين المناطق الريفية والمدن، ففي الريف قلّما تجد فتاة تحت السادسة عشرة ولم تتزوج، والأمر عائد برمته الى الموروث الاجتماعي والثقافي والديني، و إلى ما أفرزته الحرب من تشرد للعائلات وتفككها، فكثير من القاصرات فقدن عوائلهنّ وقتلت الحرب الأب والأم فوقعنّ تحت رحمة أقربائهن، الأمر الذي يخلق مسؤوليات كبيرة لهم فيسعون جاهدين لتزويجهن والتخلص من مصروفهن».

اقرأ أيضاً: بعد العرفي.. زواج القاصرات يؤخر إصدار قانون العقوبات

تسعى كثير من العائلات بالمناطق الريفية في “درعا” إلى التخلص المبكر من الأولاد سواء كانوا ذكورا أو إناثا عبر تزويجهم، فما أن يبلغ الصبي حتى تسعى عائلته لتزويجه، وهنا قال “أبو ياسين” في منطقة حوض “اليرموك” في ريف “درعا” الغربي: «لقد زوجت ابني البكر وعمره ستة عشر عاماً من ابنة عمه وتبلغ من العمر حينذاك أربعة عشر عاماً، تزويج الصغار سنّة الحياة، وهو ستر للفتاة والصبي، حين تُزوّج ابنك في صغره يكبر ويكبر معه ابنه، كما أنك حين تزوّجه بفتاة صغيرة فإنه يربيها علي يديه، ثم ابتسم وردد مازحاً “يا متزوج الصغار يا غالب التجار”».

بات تزويج القاصرات في “درعا” اليوم تجارة و عادة اجتماعية متجذرة في المجتمع، دون مراعاة للعواقب الفورية وطويلة الأمد للطفلة. فـ”عيوش” البالغة من العمر 15 عاما من بلدة “كحيل” في ريف “درعا” الشرقي، استمر زواجها لثلاثة أشهر فقط، زوجها البالغ من العمر (22 عاماً)، برر طلاقه منها بالقول: «إنها لا تلبي رغباتي، ولا تعي ما أريده منها، حتى أنها لا تعرف طهو الطعام، أريد فتاة راشدة»، مشيراً إلى الضغط الذي تلقاه من والديه للزواج منها.

في تقرير صدر عام 2018، ذكرت منظمة اليونيسف أن الفتيات اللواتي يتزوجن في سن مبكر يتركن التعليم الرسمي ويصبحن حوامل، في كثير من الأحيان، كما أن الوفيات النفاسية المرتبطة بالحمل والولادة تعتبر عنصراً هاماً لوفيات الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و 19 عاماً في جميع أنحاء العالم، كما أن زواج الأطفال يفصلهم عن الأسرة والأصدقاء، وعدم حرية المشاركة في الأنشطة المجتمعية، والتي يمكن أن تكون لها آثار كبيرة على رفاه الفتيات عقلياً وبدنياً.

وعلى هذا فالأمثلة حول ذلك لا تنتهي، زار “سناك سوري في وقت قريب بلدة “المزيريب” غرب “درعا”، وسجل قصة زواج “عاطف” 28 عاماً  و”سيدرا” 16 عاماً الذي استمر لمدة عامين دون أن تتمكن من الحمل والإنجاب، تقول صديقتها: «كانت كلما أصابهما حمل تُسقّط جنينها، وبرر ذلك الطبيب لأسباب لها علاقة بسن الزوجة فهي في سن صغيرة على الحمل و الإنجاب، لكن بعد عامين لم يحتمل زوجها ذلك فاعتبر أنها غير قادرة على الإنجاب فقام بتطليقها والزواج من أخرى».

اقرا أيضاً: سوريا: فتاة لم تتجاوز 16 سنة وتزوجت أربع مرات

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع