في هذا الشرق… بعض الظن إثم – شاهر جوهر

سوء الظن صورة تعبيرية انترنت

ماذا يدندن الشرقيون المتعبون مثلي في أحياء الصفيح والعشوائيات وصبية الكوميك في الأزقة والحارات؟

سناك سوري – شاهر جوهر 

في ذاك الصيف استأجرت منزلاً مشتركاً مع صديق في إحدى العشوائيات جنوب العاصمة، كان ذلك في سنوات ازدادت فيها موجة الهجرة العراقية ومن بعدها اللبنانية لدمشق بعد سلسلة حروب بشعة شهدها الشرق الأوسط، الأمر الذي أدى لارتفاع أجرة العقارات في “دمشق” بشكل مرعب، وللتخفيف من أجرة السكن التي لم نعد نحتملها، استقدم صديقي طالبين جامعيين للسكن معنا، قال لي :«إنهما أصدقاءه من الريف، وأن الصديق الريفي ثقة أكثر من ابن المدينة»، ليس للأمر علاقة بالعنصرية ولا بالطبقية لكنه قانون يسلكه السوريون بالفطرة.

اقرأ أيضاً: برقية من ديك منتوف الريش – شاهر جوهر

كانا بالفعل شابان طيبان معي، رغم أني كنت من النادر أن أجلس معهما أكثر من ساعة أو اثنتين وذلك بحكم طبيعة دوامي في الجامعة ومتابعة عملي كماسح للصحون وصانع لشاي الخميرة في ورديتي عمل في أحد المطاعم وسط “دمشق”.
كانت الأمور تسير بهدوء ورويّة إلى أن تبين لي في أحد الأيام أن أحداً ما سرق ما في محفظتي من نقود، قلت في سري لربما أضعت المال في الحافلة أو في العمل مع أني مقتنع تمام الإقتناع أن مالي فُقد في المنزل وأنه حادث سرقة. لكن و بعد عدّة أيام فقدتُ مبلغاً آخر هو كل ما أملكه، كان من السيء جداً أن أشير لشركائي في السكن بالإتهام، لهذا بحت لصديقي القديم بالأمر، قال لي برزانة :«إن بعض الظن إثم .. من غير اللائق أن تتهم الأصدقاء يا ولد»، قالها وهو يشير بسبابته في وجهي كحكمة أبوية قديمة، خجلت من نفسي لظنوني السيئة تلك، ثم استدنت منه أجرة الطريق واتجهت للعمل نادماً لصنيعي.
في اليوم التالي استيقظت على صراخ صديقي، حيث وقف ينوح و يوزع اتهاماته جزافاً على الجميع بسرقة ماله وهاتفه هو الآخر. حتى أنه كال لي الإتهام أيضاً، من هول الصدمة ضحكت بصدق، استنفر المنزل وقام بتهديد الجميع بمنطق العصبية، وتكلّم بحقنا كلاماً مقذعاً، أخذ شركائنا في السكن بالبحث عن مفقوداته بجدّ، قلت في سري لعل في الأمر خير وحين يجد أشياءه المسروقة سأجد مالي المنهوب.
بحثنا في كل مكان و حين لم نجد شيء، دعانا صديقي المغدور للحلف على القرآن، وهو من أكثر الخيارات المرعبة التي يخشاها الريفي، حينها وقف أحدهما وقد انتابه الفزع من الأمر، ثم وجه سؤاله لصديقي ببراءة: (هل بحثتم هناك؟) وقد أشار بإصبعه لثقب المدخنة، ثم تسلق و مد يده في المدخنة وهو يتمتم ببعض الآيات القرآنية وببعض التعاويذ، فجأة أخرج الهاتف ومبلغ المال الخاص بصديقي، مع أني رأيته يبحث في نفس المكان قبل دقائق.

اقرأ أيضاً:زوجتي ستحلبني إن عدت بلا “البقرة”.. كله من “ترامب”!-شاهر جوهر

هدأت فورة صديقي وهو يتفقد هاتفه ونقوده، حملهما ثم اتجه صامتاً إلى غرفته، وعلى إثره تفرّق الجميع ليمارسوا نهارهم بشكل طبيعي دون أن يسأل أحد كيف وصل الهاتف وتلك الأموال للمدخنة. سألت بصوت خفيض (يا جماعة وأموالي؟)، لم يلتفتْ إلي أحد. ذهبت لصديقي في غرفته لعله يساعدني بمهاراته في الحصول على أموالي المنهوبة، لكنه قال لي برزانة (من غير اللائق أن نتهم الأصدقاء). ليتني نحت مثله قبل أن يتملكني التعب والعجز لساعات وأنا أبحث في المدخنة عن أموالي المنهوبة.
شكوت ضعف حيلتي لصديقي الكرسون في العمل وهو صديق طيب، مثقف ويجيد النصيحة، فاقترح علي السكن في غرفة تبديل ملابس العمال لحين إيجاد سكن جديد. موقع سناك سوري.
حجرة تبديل الملابس حجرة ضيقة تقع فوق المطبخ، يوصل إليها درج قاسي، يليه دهليز ضيق بطول مترين. كانت حرارة الفرن و الزيت المقلي والبخار المنبعثة من المطبخ تتسرب إليها بانتظام ما جعلني أختبر شعور الدجاجة المشوية طوال أسبوع. كما كان صوت جلخ السكاكين، وطشيش رقائق البطاطا واللحم المتبل في الزيت، ونكات الطباخين غير المضحكة، و إزعاجات صبية الكوميك المتكررة بصعودهم بين حين وآخر لغرفة تبديل الملابس لمج السجائر بعيداً عن أعين صاحب العمل، كلها كانت تنخر رأسي المتعب بلا إذن أو رحمة.
ازدادت الأمور سوءاً حين تم استقدام عمالة من جنسية شقيقة للمطعم، فانخفضت أجرتنا للنصف، وفي لحظة عصبية طلبت من صاحب العمل أجرتي كاملة للبحث عن غرفة أقوم باستئجارها، لكنه بدل ذلك قام بخصم جزء من راتبي، لربما كضريبة لحروب الشرق الأوسط، ما دفعني للإحتجاج بحدة، انفجرت أمامه مثل علبة غازية تم رجها بقوة، الأمر الذي دفعني لأقضي يومين في زنزانة للشرطة على مقربة من مكان عملي.

اقرأ أيضاً:مسيرة حافلة في تخدير الشعوب عفواً الأوجاع – شاهر جوهر

حين خرجت من السجن استوقفني صاحب العمل، وهو رجل ضخم من الأمام صغير من الخلف، وله ساقان قصيرتان سريعتان وهي من سيماء البرجوازية المحلية التي صعدت في البلاد خلال العشرية الأولى من الألفية الجديدة. وقف وقال بلهجة شامية :«ماني شايفك .. أحط»، جميلة هي اللهجة الشامية حتى ولو كانت شتيمة تصدر من برجوازي بغيض. وبالفعل جررت قدماي و (أحطت) من أمامه كأحد “حثالة البروليتاريا” في هذا الوطن الجميل، ثم اتجهت إلى صديقي القديم في ذاك الحي العشوائي، وحين أخبرته قصتي قال لي بحزن: «ألم أقل لك أنه من غير اللائق أن نتهم الأصدقاء».
ومنذ ذاك الحين وأنا أدرك معنى ذلك جيداً. ففي هذا الشرق (الغير مشرق) قدرك أن تحيا منهوباً ولا تحتج، لهذا يدندن الشرقيون المتعبون مثلي في أحياء الصفيح والعشوائيات وصبية الكوميك في الأزقة والحارات، يدندنون دأبا : «إن كان بعض الظن إثم فإن كثيره برّ»،  لأنهم يعرفون أنهم لن يكونوا مطلقاً ذئاباً وسط كل هذه الكلاب العقورة. لذا من غير اللائق أن يتهم الشرقي شركائه في هذا المنزل الكبير.

اقرأ أيضاً:هذا الشتاء قاسٍ جداً جداً – شاهر جوهر

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع