هذا العام… لا موسم تدفع الديون بعده

حرائق مشتى الحلو - تصوير مارسيل مخول

لم يحترق الموسم فقط… خسرنا الشجرة التي تنتج الموسم أيضا

سناك سوري-مارسيل مخول

أطلق صوت احتراق الأشجار لحن أنين يحكي ألم الاحتضار السريع لأغصان خضراء، التهمتها ألسنة النيران، تاركة إياها رماداً متناثراً، في الحقيقة ليست الأغصان وحدها، قلوب أصحابها كانت أشد احتراقاً ورماداً هي الأخرى.

ليس ببعيد عن هول فاجعة احتراق الأراضي ومواسمها في أرياف “اللاذقية”، “طرطوس”، “حمص”، هناك فاجعة من نوع آخر، حيث الغالبية من الفلاحين يلجؤون إلى الشراء بالدين اعتماداً على تقديرات مواسمهم الزراعية، فإن كانت تنبئ بمحصول وفير ازداد حجم الدين، وإن كان موسمها قليل خفّ مبلغ الدين، الذي يشترون به مؤونتهم، ولوازم أبنائهم المدرسية.

هذا العام كان الموسم ينبئ بالخير الوفير، فلجأ الفلاحون في “صافيتا” بريف “طرطوس”، للاستدانة غير عارفين بالكارثة التي تنتظرهم، أتت النيران، قضت على آمالهم وحولت ديونهم إلى ديون منسية، وأدخلتهم في أزمة اقتصادية جديدة.

“أبو علي”، صاحب أحد المحال التجارية في “ريف صافيتا”، يدرك أن غالبية سكان قريته، لن يتمكنوا من إيفاء ديونهم التي اشتروا فيها لوازم مدرسية لأبنائهم من محله، بالدين على أن يسددوا دينهم عقب قبض “غلة” الموسم، يبتسم ويأخذ الموضوع ببساطة شديدة، ويقول لـ”سناك سوري”: «اعتبرت عندي أرض زيتون واحترقت…متلي متل هالعالم».

يسلم “أبو علي” بخسارته ويعتبرها امتداداً لخسارة جيرانه وأبناء قريته، لا ذنب له، لكنه مؤمن بمبدأ التكافل الاجتماعي من جهة، ومسلم بهول الكارثة من جهة ثانية.

اقرأ أيضاً: مهندس زراعي: لاتقطعوا أشجار الزيتون المحروقة قد تنمو بعد عامين

إحدى الطالبات في مدينة “صافيتا” (نتحفظ على اسمها احتراماً للخصوصية)، كانت على وشك إنهاء أحلامها في متابعة دراستها، بعد احتراق كامل أراضي ومحاصيل عائلتها من الزيتون، قد لا يشكل مبلغ 500 ليرة الذي تحتاجه للمواصلات يومياً، عبئاً على عدد من العوائل الأخرى، لكنه عبء كبير على عائلتها المنكوبة، التي تحتاج ابنتها للقيام بأعمال الزراعة والمنزل أيضاً في الوقت الحالي، لكن تدُخل إحدى المعلمات، وتعهدها بتحمل كامل نفقات تعليم الطالبة ودراستها، أشعل بارقة أمل جديدة في حياة الفتاة الطموحة بشهادة جامعية وسط هذا الكم من الألم والخراب.

التكافل الاجتماعي يعطي حلولاً مؤقتة، والمساعدات الإنسانية والمادية كذلك مثله، بينما تكمن الحلول الحقيقية في مساعدة الفلاح من خلال دعمه بشكل فعلي، سواء بمساعدته على تأهيل أرضه، أو بإقامة مصانع تستثمر المحاصيل الزراعية الكبيرة كالزيتون والحمضيات والتفاح، بما يرفع أسعارها المتدنية وتخلق بيئة للتنمية المستدامة في الساحل السوري.

يقدر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، المساحات الزراعية المدمرة جراء الحرائق الأخيرة الجمعة الفائت، بأكثر من 9000 هكتار في الساحل السوري، هذا الرقم يعني انضمام عشرات آلاف السوريين إلى ما دون خط الفقر، ما يرتب على مكاتب الأمم المتحدة زيادة النسبة المئوية لفقراء هذه البلاد، وإن كانت تصنفهم بين هذه الفئة سابقاً، ربما يتحتم عليهم اليوم إضافة تعبير نسبة الجياع بدل نسبة الفقر في إحصاءاتهم، فمقياس الفقر العالمي يعتبر اليوم رفاهية في “سوريا”.

انطفئت نيران أرياف الساحل، أخمدتها مياه أفواج الإطفاء، وأغصان الشجر الأخضر بيد أبنائها، وستأتي أمطار تشرين لتعيد لجذورها الحياة، لكن متى تأتي رياح الحل لمأساة عمرها سنين في بلاد أصبحت بأمس الحاجة لمن يعيد الحياة إلى جذورها.

اقرأ أيضاً: الرئيس الأسد: الدولة ستحمل العبء الأكبر في دعم المتضررين من الحرائق

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع