عيد “النيروز”.. الفرح في “الباغوز” والجرح في “عفرين”!

كرد “سوريا” يحتفلون نيران وفرح وحفلات .. “عيد النيروز” يوم قتل “كاوا الحداد” الطاغية .. على أمل أن نهزم كل الطغاة الذين قدموا إلى بلادنا

سناك سوري-عبد العظيم عبد الله

يحرص “رمضان سيد عمر” على تجهيز وترتيب خيمة الضيوف أثناء الاحتفال بعيد النيروز، أكثر من حرصه على تأمين واجبات منزله، تاركاً تلك المهمة لزوجته، فسنوات الحرب لم تؤثر أبداً على الحالة الاجتماعية التي يعيشونها في عيد “النيروز” منذ سنوات طويلة، كما يقول لـ”سناك سوري”.

“سيد عمر” من أهالي منطقة “المالكية” في أقصى شمال محافظة “الحسكة”، يعتبر عيد “النيروز” بالإضافة لرمزيته «مناسبة مهمّة لتجديد وتعزيز الحالة الاجتماعية بين مكونات المنطقة، فأسرتي وعديد الأسر تقوم بإعداد خيمة خاصة بضيوفنا من العرب والسريان والأرمن..إلخ، لا نقدم الدعوة لهم للحضور، بل يعتبرون المشاركة باحتفالات النيروز واجباً تفرضه الجيرة والألفة فيما بيننا، نفرح معاً ونتناول الطعام ونرقص ونغني ونلعب ونتابع ما تقدم من فقرات فنية، في أحضان طبيعة تجمع كل الألوان».

لم يتوقف الكرد السوريين وغيرهم من أبناء المنطقة عن الاحتفال بعيد النيروز طوال سنوات الحرب، حافظوا على طقوسه وجماله الفني والاجتماعي، تقول “سميرة” وهي نازحة من مدينة “دير الزور” ومقيمة في “القامشلي”: «كسبنا حالة اجتماعية رائعة هنا، وخاصة ونحن نشارك أهلنا الكرد بعيدهم»، تضيف: «لم نعرف السعادة وراحة البال منذ سنوات الحرب إلا بهذه المناسبة، عشنا وعاش أطفالنا يوماً مليئاً بالبهجة، كنتُ سعيدة وأنا أساعد جارتي بتجهيز الطعام والشراب، والحلوى، وشكلنا جلسة نسائية بين أحضان الطبيعة، وأطفالنا إلى جانبنا يلعبون ويضحكون، والرجال في الطرف الآخر يتناقشون ويتحاورون وإبريق الشاي لا يهدأ عن التسخين على موقد الحطب، سمعنا أغان وتراث كردي جميل جداً لم أسمعه من قبل».

يرى الكثير بأن عيد النيروز بدءاً من العام 2011 يحمل شكلاً جديداً فرضته الحرب، ليس بالشكل الذي يحبه ويتمناه الأهالي، فقد باتت احتفالات الكثيرين مقتصرة على الذهاب إلى الساحات الخضراء، وتناول الأكل هناك، وإقامة حفلات رقص صغيرة، بعيداً عن الساحات المخصصة للاحتفالات في مناطق وبلدات المحافظة، وهو ما لم يكن قبل سنوات الحرب، الحضور سابقاً كان يتجه حصراً إلى مكان الاحتفال، وكلّ إلى الجهة الحزبيّة الكردية التي تمثله، والبرنامج الفني الذي يفضّله.

اقرأ أيضاً: “مموزين” العاشقين الذين قتلهما الحب وأصبحا رمزاً في سوريا

“عفرين” الجرح الذي لم يندمل بعد

هذا العام هو الثاني لسيطرة الفصائل المدعومة تركياً على مدينة “عفرين” السورية، وقد منعت تلك الفصائل الكرد السوريين من الاحتفال بعيد “النيروز” كما يقول ابن المدينة “محمد دلو” ويضيف: «لطالما احتفلنا بهذا العيد حتى سيطرت الفصائل المدعومة تركياً فقد حرمونا الاحتفال بعيدنا وهددونا بتنفيذ جرائمهم المعروفة إن حاول أي شخص من أبناء عفرين الاحتفال به، ولو بشكل بسيط».

يشعر “دلو” بألم كبير يتقاسمه مع أبناء المدينة ويرى أن «هؤلاء المحتلون يذكروننا بالطاغية الذي خلصنا منه “كاوا الحداد” قبل مئات السنين، واليوم “أردوغان” يعيد نفس الطغيان فهو المحرض والمنفذ بأدواته».

الاحتفالات انطلقت منذ الـ19 من آذار في “الحسكة”

رغم كثرة الجروح ومنها “عفرين”، إلا أن كرد “سوريا” انطلقوا باحتفالاتهم مدفوعين بحب الحياة والتمسك بها منذ الـ19 من شهر آذار الجاري، بعروض فنية وفقرات مسرحية وقصائد شعرية بعيداً عن الساحات، وكلّها تخلّد النيروز بالمعاني والقيم المعروفة، أمّا مراسيم الاحتفال عند الجميع فقد بدأت مع غروب شمس 20 آذار، بإشعال النيران وإقامة حلقات من الرقص في الأحياء والشوارع وأمام المنازل، حتى ساعة متأخرة من ليل 21، حيث الاستعداد باكراً وقبل إشراقة الشمس للتوجه إلى أماكن الاحتفالات والتجمعات، كل أسرة تبحث عن اختيار مكان مناسب لها ولضيوفها، وقبل ذلك بأيام، يكون الحراك وقوافل البشر في الأسواق كبيراً، يشترون الخضار والفواكه والحلوى والموالح واللحم، لا يسألون عن لهيب الأسعار في هذه الفترة، فالكل يعتبر ذلك فرضاً “يوم بالسنة ويعدي”.

العديد من أهالي المنطقة اعتبروا نيروز هذا العام الأغنى والأغلى في سنوات الحرب، فقد أعلنوا بـ20 آذار الخلاص من أكبر قوة إجرامية على بلدنا، واحتفلوا في قرية “باغوز” بالقضاء على آخر مجموعات “داعش”، من خلال إشعال النيران وإقامة حلقات الرقص والغناء، لتكون طقوس نيروز في باغوز نفسها، وهو ما يحدث للمرة الأولى في سورية.

إشعال النيران في 20 آذار وإقامة الحفلات في أحضان الطبيعة بـ21 آذار، فرضها أحد رموز الكرد “كاوا الحداد” قبل مئات السنين، عندما تصدى لقتل أحد طغاة عصره، وبطشه في ممارسة كل أشكال البطش والقتل والنهب بحق الكرد آنذاك، عجزت النفوس وهاجت منه، فكان “لكاوا” فرصة قتله، وأشار لأبناء قريته بأن إشعال النيران في قصر الملك سيكون إعلاناً بنهايته، وهو ما كان، واستمر الأهالي في اليوم التالي بإعلان الأفراح، وهي باقية حتى يومنا هذا.

اقرأ أيضاً: “نوروز” سوريا هذا العام ليس كسابقيه … كيف احتفلت الجزيرة السورية؟

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع