عن معايير اختيار المدراء… بشار مبارك

هناك حاجة لتحويل مؤسسات الدولة من بيئة طاردة للكفاءات إلى بيئة مستقطبة ومحفزة للعمل والإبداع

سناك سوري – بشار مبارك

تشهد وزارة التنمية الإدارية نشاطاً ملموساً وورشة عمل متواصلة مازلنا نتابع باهتمام من خلال الصفحة الرسمية للوزارة المحاور الهامة والعناوين التي تعمل عليها حالياً في سعيها لوضع مشروع الإصلاح الإداري الذي أطلقه السيد الرئيس موضع التنفيذ.

نشاط شكّل محور حديث بين المهتمين والمتابعين للمشهد الإداري لمؤسساتنا الحكومية مابين متحمس لمسار الوزارة وفريقها ومترقب لنتائج طال انتظارها، وبين من خفض سقف توقعاته في ظل عطالة يعيشها القطاع الحكومي لدرجة لن يمكن معه احداث أي خروقات ملموسة يمكن أن تعيد هذا القطاع الهام إلى الدور المحوري الذي يجب أن يكون عليه.

ولأن مديريات التنمية الإدارية هي حجر الأساس الذي تبني عليه الوزارة منهجية تفكيرها في استهداف المؤسسات الحكومية من الداخل من خلال إعطاء هذه المديريات صلاحيات واسعة بنيت على هيكل تنظيمي متطور على صعيد الدوائر التي تتألف منها والمهام المناطة بكل من هذه الدوائر، الأمر الذي يستتبع بمن يتولى مهام إدارة هذه المديرية أن يتمتع بمؤهلات إدارية عالية وأن تكون معايير الاختيار منسجمة مع المنهجية الجديدة التي تسعى الوزارة إلى تكريسها في بنية الوظيفة العامة.

من هذه الزاوية يمكن قراءة قرار وزارة التنمية الإدارية الذي صدر مؤخراً وتضمن معايير اختيار المرشح الأنسب لشغل وظيفة مدير التنمية الإدارية، معايير تعيد الاعتبار إلى المنصب الوظيفي وشروط اسناده بعيداً عن المحسوبيات ومعايير الشخصنة والولاءات، وتفتح الباب أمام أصحاب الكفاءات لتنافس شريف وفق معايير قابلة للقياس تراعي الخبرات الوظيفية والمهارات الإدارية شرطاً أساسياً للوصول.

الأمر الذي سيستتبع بالضرورة أن يراعي هذا المدير حال اختياره أيضاً هذه المعايير في اختيار رؤساء الدوائر وكادره الإداري، أي أننا اليوم نعمل على خلق آلية جديدة للتعيين والتكليف بالمهام تخرج من دهاليز الواسطة والمحسوبيات إلى فضاءات الكفاءة والخبرة المهنية والأكاديمية.

إن قراءة في هذه المعايير والدرجات المقابلة لكل معيار توضح تماما ما أشرنا له، مع الإشارة إلى نقطة في غاية الأهمية وهو معامل التثقيل الذي أعطي لعمر المرشح حيث نجد الميزة التفضيلية لعمر المرشح الأصغر سناً وهو مدخل مهم لاستقطاب العنصر الشاب المتحمس وهم الأكثر قدرة على التعامل مع المنهجيات الجديدة في التفكير والعمل الإداري بعيداً عن القوالب التقليدية التي أثبت الواقع أنها كانت أحد أكبر تحديات تطور العمل الوظيفي في سوريا.

أيضاً فإنّ اعتماد سلم علامات للدرجات الأكاديمية، وإعطاء حملة شهادة المعهد الوطني للإدارة العامة INA المرتبة الثانية بعد حملة شهادة الدكتوراه خطوة تحسب للوزارة في مسعاها للزج بهذه الكوادر الهامة في صلب مشروع الاصلاح الإداري من بوابة إتاحة الفرصة الكبيرة أمامهم ليكونوا على رأس مديريات التنمية في الوزارات وباقي المؤسسات الحكومية.

وعلى الرغم من أن القرار لم يأتِ على إجراءات تفصيلية حول كيفية سبر المعلومات في علوم الإدارة ومهارات اللغة والحاسوب، إلا أنّ اعتمادها كمعيار له الدرجة الكبرى في تثقيل الترشيح من عدمه، يكمل المنهجية الجديدة التي حاولت الوزارة تكريسها في آلية الاختيار والتعيين للمناصب الوظيفية على مستوى الإدارات، وهي منهجية لو هيأت لها كل الظروف لكي تبصر النور تطبيقاً حقيقياً ستساهم بلا شك في إقصاء منظومات الفساد المنتشر في مفاصل إداراتنا الحكومية وتؤسس لظهور طبقة تكنوقراط حقيقية ستكون الحامل الحقيقي لمشروع الإصلاح الإداري.

يحمل هذا القرار في طياته فسحة كبيرة من التفاؤل، تفاؤل في إعادة الاعتبار لأصحاب الاختصاص والكفاءة في أن يكون لهم دور في رسم مشهد سوريا القادم، تفاؤل في إعادة الاعتبار للوظيفة العامة بحد ذاتها من بيئة طاردة للكفاءات إلى بيئة مستقطبة ومحفزة للعمل والإبداع، إلا أنه يترك في الوقت نفسه الباب مفتوحاً أمام احتمالات ممانعة التغيير من قبل عقليات الأمر الواقع المتفشية في إداراتنا، وهو تحدٍ طالما أثبت الواقع وتجاربنا معه، قدرته على وضع العراقيل، وتحييد أي مكتسبات خدمة لمصالحهم الشخصية.

اقرأ أيضاً سابقة هي الأولى من نوعها تُعلن عنها وزارة التنمية الإدارية

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع