عن الرجل الذي أوقف السير في الشارع _ أيهم محمود

أيهم محمود

ربما لو دققتم النظر في ملامح الرجل وفي ملامح السيارة لرأيتم وجوهاً تعرفونها جيداً وأعلام دول لا تخدع العين التي تبحث عنها

سناك سوري – أيهم محمود

لست أذكر بالتحديد، هل هو العام 2009 أم  العام 2010، في شارع رئيسي ومهم من شوارع مدينتي اللاذقية تصطف فيه السيارات المتوقفة رتلين متتالين مما يمنع تدفق الحركة المرورية بشكل جيد، وقف رجل في الثلاثين من عمره بسيارته في نقطة اختناق مروري، انتهى الخبر!.

نعم هذا هو الخبر الذي استمر ربع ساعة حتى وصل طول صف السيارات المتوقفة حتى نهاية الشارع قبل أن يقتنع هذا الرجل أن هذه المدة كافية بالنسبة له وبالتالي يستطيع الرحيل من هذا الشارع ليخبر زوجته ورفاقه بنجاحه في إيقاف السير في شارع مزدحم دون أن يتجرأ أحد عن منعه من فعل ذلك، هذا العمل الهام في حياته سيظل نقطةً مضيئة تعيد إليه توازنه الذاتي كلما أحس بانعدام أهميته وتفاهته وضآلة حجمه، أي حجمٍ وأي ضآلة؟ لم يجرؤ على منعه أحد، كان هذا الشارع كله له وحده وكل الذين اصطفوا خلفه بصفاتهم الاجتماعية والرسمية لا أهمية لهم ولوجودهم، إنه إنجاز أكثر من مهم بالنسبة له.

اقرأ أيضاً: البعد الثالث في تاريخ المنطقة_ أيهم محمود

كنت في باص مزدحم بالركاب خلفه أستمع لأصوات احتجاج السيارات، أصوات احتجاج الناس، أستمع لصوت الفراغ في هذه المدينة فقد كانت نسبة الخلاء حول سيارته وحول شخصيته المجيدة وفي دائرة لا يقل قطرها عن كيلومتر واحد تعادل نسبة الخلاء في المسافة بين الأرض والقمر، بعد أكثر من عشر أعوام على هذا المشهد لم يتغير شيء، بقي هذا الرجل متوقفاً في مكانه وبقيت أراه كلما مررت في نفس المكان لكن رتل السيارات المتوقفة خلفه أصبح أطول بكثير رغم خداع عيني لي ورؤيتي لها تسير في الشارع دون إعاقة من أي أحد.

بقي الرجل حاضراً بقوة في ثقافته التي زاد حضورها عاماً بعد عام بدل أن يخفت ألقها وتوهجها بفعل التقادم، علينا أن نتوقف عن غرورنا و نضع نفسنا في مكانه لنفهم دوافعه ونفهم سبب ما فعل، إنسان نكرة، ليس له أي أهمية في المجتمع، ليس له أي مستقبل، يحتقر العمل ويحتقر الاحترام البسيط الذي يكسبه الإنسان منه فهذا ليس زمن العمال وزمن المفكرين وزمن الأدباء وزمن الفلاحين بل زمنه هو وحده وهو يدرك ذلك جيداً، ليس كل عقله معطلاً كما ترون بل يستطيع التفكير ويستطيع إيجاد نقطة توازنه النفسي ولا يهم التوازن النفسي للمئات الذين توقفوا وراءه.

اقرأ أيضاً: معدل التقنين والعقاب الجماعي- أيهم محمود

ربما علينا التوقف عن دراسة الفلسفات الغربية، عن دراسة الفلسفة الماركسية، عن التنظير للأبعاد القومية المختلفة، وعن الترويج لبقية الأفكار السياسية والاجتماعية الأخرى بوصفها حلاً ممكناً لمشاكل منطقتنا المزمنة، كل هذه الدراسات لا تنفع لأنها تهمل وجود هذا الفذ في مجتمعاتنا، تتعدد هوياته ومناطقه وانتماءاته لكنه موجودٌ واحد، لا نريد المبالغة والقول أنه فرد يستطيع الحضور في مئات الأجساد في وقت واحد، أي فلسفة لا تنبع من حضوره ومن ضرورة إيجاد حل لمشكلته هي فلسفة محكومة بالإعدام كما أثبت التاريخ القريب وكذلك التاريخ البعيد في منطقتنا.

قد يظن البعض أن هذه مشكلة محلية، مشكلة إقليمية، مشكلة ثقافية خاصة بقارة محددة، لكنها في الواقع مشكلة عالمية، ربما سأذهب بعيداً جداً عن منطقة قبولكم خاتمة هذا النص، بعيداً إلى حد التطرف وأقول أنها مشكلة أممية وإن كانت لا تتبدى بهذا الشكل البدائي البسيط، ترى هذه المواقف بوضوحٍ شديد في صراع الدول العظمى على بقعةٍ جغرافيةٍ ما، ربما لو دققتم النظر في ملامح الرجل وفي ملامح السيارة لرأيتم وجوهاً تعرفونها جيداً وأعلام دول لا تخدع العين التي تبحث عنها، ربما فهم سلوك هذا الرجل يقود إلى نظريات اجتماعية جديدة، لماذا نهمل خاماتنا المحلية ونذهب دائماً للبحث عن المنتجات الجاهزة التي لا تصنعها أيدينا وعقولنا، بعض السخرية الأدبية ليست خروجاً صريحاً عن هدف النص بل تكاد تكون في قلب الهدف.

اقرأ أيضاً: العجز وثقافة الإنكار- أيهم محمود

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع