عندما كانت رقبتي سيبة ورأسي لوحة فنية… ناجي سعيد

عن الحلاق والمصور في التسعينات .. وقبول الآخر

سناك سوري – ناجي سعيد

كانت “الصورة” الشمسية حينها تُضاهي “خطورة” الذهاب إلى الحلاق، فأوامر الحلاق لتيسير “الحلاقة” له كانت سهلة الفهم والتطبيق. “وطّي رقبتك، وعلّي رقبتك”، وإن كان الحلاق “جفص” فغالبًا ما كان يستعمل يده ليحني رقبتي، وذلك أسهل له وأسرع من أن ينتظر التجاوب والإنصياع لطلبه. فقد كان المصوّر الفوتوغرافي حينها، والحديث عن حقبة بداية الثمانينيات، يعتبر وجهي لوحة فنية، ورأسي “السيبة” المعلّق عليها اللوحة، فبعد تعديل الرقبة (السيبة) يشرع بتحريك شفتيّ صعودًا ونزولاً ليرسم الابتسامة رسمًا يُحاكي الصورة المرسومة في مخيّلته، دون أن يخطر على باله، أن يكون هناك اختلافًا بين مخيّلته _وهو مُعجب بها بالطبع_ وبين مُخيّلة الزبون (الضحيّة) بالطبع.

القضية هنا قد تبدو تافهة للبعض، لكنّها ستصبح مهمّة جدًّا إن أوغلنا في تحليل مخيّلة “الزبون” الذي قد يكون صُدفةً من الأشخاص المهتمّين والناشطين في مجال تقدير الذات وتحليل السلوك كمؤشّر مباشر على قراءة مستوى تقدير الذات لدى الأشخاص. وكيف يتصرّف الإنسان بطريقة لاواعية على طمس هويّة الآخر، وهو مُتّكئ تمامًا على وسادة مُريحة له وفي الوقت عينه غير مريحة لغيره وهي وسادة ” عدم قبول الاخر”، أطلقت تشبيه “وسادة” لأنها ترمز تمامًا للراحة بالنسبة للإنسان، وذلك لأشير إلى مدى “استرخاء” الناس على الوسادة التي دعوتها “عدم قبول الاخر”، وذلك نتيجة جهلهم بأن هذا المفهوم هو إنسانيّاً، “قنبلة” تُضعضع أُسس التواصل بين البشر وليس وسادة للراحة كما يظنّها البعض مسترخيًا عليها.

قد يكون هذا الكلام سليم، وله مرتكز علمي في عمليّة التواصل. فالتواصل الإيجابي آلة إجتماعية تحمل في طيّاتِها “فتيل” قد يدمّرها. ففي الوقت عينه، الذي يطمح الشخص للحصول على بطاقة القبول والتقدير من الآخرين،نراه يركن في زوايا نفسه إلى فكرة مريحة تُشكّل أساسات هويّته وهي “أنّ الآخرين مثلي”. والطمأنينة “الذاتية” هنا، تملأ وقود اشتعالها، من مصدر ذاتي أيضًا، يُدعى “الكلّ بيشبهني”، وهذا المصدر هو تمامًا الثُقب الذي يقوم بتفريغ خزّان قبول الآخر كما هو. “…فيك الخصام وأنت الخصم والحكم”، دون انتباه، يغفل الإنسان فكرة وجود احتمال إختلاف، وهو غير مدرك أن فكرة “الكلّ متلي وبيشبهوني” هي التي تقتل بداخله أي بذرة إحتمال وجود “آخر” مختلف عنّي.

فالمُهمّة صعبة، أن تكون قيمة قبول واحترام الآخر مُتقدّمة على تمتين علاقة الإنسان بالآخرين. نحن نتكلّم عن قاعدة أخلاقية تؤثّر على علاقات الناس بعضها ببعض. وهذه القاعدة الأخلاقية مصنوعة من عالم القِيم الإنسانية، وبالطبع هذا علم غير محسوس. وكلّ شيء غير محسوس، هو غير مرئي وغير ملموس، وهذا يجعله عُرضةً للزيف والكذب.

في عودة إلى الصورة الشمسية، كانت الحياة بين البشر أسهل وأفضل لو أنّ الصورة بشكلها الجميل المطلوب من المُصوّر والزبون، تعكس تفاصيل الداخل من خلال زوايا الخارج الجميلة. فكم كنّا وفّرنا من المشاكل المؤذية والمشاعر السلبية، لو تحمل الصورة صفة “الشفافيّة”، وتكون الأخلاق بمثابة ابتسامة دافئة على الوجه، والإنسانية تسريحة شعر جميل، والمحبّة “ماكياج” يلتصق على الوجه والقلب بالوقت نفسه.

اقرأ أيضاً :عقدة اللغة والهوية … ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع