على طريق الشام … عفراء بهلولي

سناك سوري – عفراء بهلولي

في الطريق إلى دمشق يجلس إلى جانبي بالحافلة أربعيني يحتوي كتفي إبنه الصغير بحنان، قبل أن يسأل الطفل والده بإلحاح مكرر و طفولي«كم من الوقت نحتاج لنصل إلى دمشق يا أبي». ودون أن يتلفظ بحرف يخرج الأب من جيبه قلماً أزرق ليبدأ بالرسم على معصم صغيره ساعة وهمية، وقد أشارت بعقاربها إلى الساعة الرابعة، ابتسم بعدها وحوّل عيناه إلى وجه صغيره قائلا «هلا الساعة أربعة بس صارت تمانة منوصل ويمكن قبل».

أنا الأخرى أبتسم بلا وعي، لتتسارع إلى ذاكرتي ساعتي اليدوية التي كنت أصنعها بنفسي، أعض على المعصم بقوة لتنغرز الأسنان بذلك اللحم، عندها أضمن أن تبقى الساعة على المعصم فترة طويلة، ثم أستعين بقلمي لأرسم عقاربها الثابتة بثبات ذاكرتي لتلك الأيام.

حبات المطر المتدافعة على النافذة هي الأخرى تعيد لي ذاكرتي لمراحل جميلة أخرى، حين كنت أدعو الله في سري أن يسقط الثلج بغزارة ليقطع الطريق الواصل إلى مدرستي.
وحين يشتد المطر أكثر تحوم حولي الذكرى مع إخوتي، إذ يحلو لنا أن نفتعل المشاكل بأن نحوّل خرطوم المياه إلى الطريق المليئة بالثلج بذلك نحول الطريق لقطعة من الجليد قاطعين بذلك طريق القرية الرئيسي عن باقي القرية لا مجال لعبور السيارات .

اقرأ أيضاً: “أم عمار” وداعش …. نظرة الوداع الأخيرة!

كنت أضحك سراً حين يتوفى أحد المزعجين المهددين لي ولأخوتي وأصدقائي بأن يخبر أهلنا بأننا أولاد غير مهذبين فقد أقلقنا راحته بلعبنا وصراخنا، هي أفكار شريرة أعرف ذلك لكنها لن تكون بأكثر شراً من حالة الخراب التي تعيشها بلادنا اليوم.

اليوم و على طريق دمشق تنساب ذكريات طفولتي بنعومة وأتذكر شقاوتي، من ثم و بشرود عميق على نحو ميكانيكي من نافذة الحافلة في كرسي الصف الأخير كعادتي أحبذ أن أرى الشوارع تمر أمامي كأغنية لطيفة على نحو هادئ، أعد الحواجز المنتشرة والمتاريس المنصوبة، أنظر الى عيون الشباب المسؤولين عن تفتيش السيارات حركة شبه آلية يتوجه الشاب إلى صندوق السيارات يفتحها من ثم يغلقها بطرقة من يده على صندوق السيارة عاطياً إشارة للسائق أن يكمل طريقه.
أحاول تذكر الطريق قبل الحرب فتخونني الذاكرة سوى من صور صغيرة تمر في رأسي فيشتاق قلبي لمعارض السيارات في مدخل دمشق من جهة حرستا، فوراً يتبدل المشهد في رأسي لأخر مرة مررت بها عن طريق حرستا، الدمار المنتشر على طرفي الطريق، أعمدة الكهرباء غير الثابتة في مكانها، الخراب، سيارات صدئة استقرت على ظهرها، الحكايات الكثيرة عن قناص حرستا الذي استقر تحت صهريج مياه يطلق حقده على المسافرين مستمتعاً بخوف الناس وانطلاق السائقين مسرعين في نقطة القنص .. وحين أنتهي أفتح عيناي متنهدة (يارب ذكرى واحدة بلا حرب ) تفشل جميع المحاولات كلما اجتهدت لأتذكر شيئاً جميلاً ارتبط فوراً بحادثة حرب.

“بانياس” وأحداثها البشعة عند الجسر، كم من الجثث تساقطت، “حمص” المدينة التي تحولت خلال فترة طويلة إلى مدينة للموت، “عدرا العمالية” وسكانها الذين اختفوا وكأنهم لم يكونوا أصلاً، حرستا التي دمرت وتاه أهلها في الملاجئ والمخيمات، الكثير من الطرقات المقطوعة والموت المنتشر والحقد المتدلي كحبات عنب ناضج ينتظر القطاف، والأكثر هو الألم الذي سكن أرواحنا.

من الموجع أن تصبح مساحة سبع سنوات من الذاكرة مرتبطة تماماً بتفاصيل الحرب. أنساق وراء مشاعري فأردد متمنية في قلبي (يا ليتني بقيت صغيرة بساعة بلا عقارب ووقتها الذي لا يمضي).

لكن لا يسعني قبل أن أترجل حافلتي سوى أن أردد لمحمود درويش:
”على طريق الشام
يتبادل الغرباء فيما بينهم خوذاً
سينبت فوقها حبق يوزعه على الدنيا حمام“.

اقرأ أيضاً: أبو عبد العزيز الهارب من الرقة أنقذه ابنه المصاب بسرطان الدم!

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *