عقدة الألقاب.. ناجي سعيد

ناجي سعيد

بالنسبة لي لم أجد أي علاقة إيجابية بين اللقب وقيمة الاحترام

سناك سوري-ناجي سعيد

كلّ من يعرفني يُدرك تمامًا إنزعاجي من مناداتي بلقب “أستاذ”. وعند ردّة فعل المُتحدّث إليّ، والذي يقول إن كلمة أستاذ من باب الإحترام، يكون جوابي السريع والجاهز: «ألا تحترمني لو ناديتني باسمي؟»، لا ليس هكذا لكن من باب أني احترمك فأنت مدرّب وأنا أتعلّم منك.

حسنًا، أودّ أن أخبرك بأنّ طلابي-حين كنت مُعلّمًا- إتّفقتُ معهنّ (حيث كُنّ إناث) بأن ينادوني باسمي، ورغم ما كان يُسبّب ذلك من مشاكل مع الإدارة في التواصل، حيث كانت المديرة “تُبهدل” من يقول لها: «هذه الأوراق من ناجي»، وتصرخ بالمذنبة: «اسمه الأستاذ ناجي». وهذا لم يُغيّر – سلبًا أو إيجابًا- في موقفي من اللقب. ولم أجد علاقة إيجابية بين اللقب وقيمة الإحترام.

وأتذكّر مثلاً شعبيًّا كانت أمّي تقوله، «الإيد اللي ما فيك عليها، بوسها وادعي عليها بالكسر»، وما كان يخطر ببالي عند سماع هذا المثل، هو حالة المجاملة أو الكذب إن صحّ التعبير، التي تولّد خلفها خضوع مغلّف بطاعة مزركشة بملابس ملونة وجميلة.

فالمطيع انسان جيّد ومهذّب. وعند وصف طفل بشكل إيجابي يُقال: «ما شاء الله عنه شو مطيع وبيسمع كلمة أمّه وأبوه». وعلى هذا المنوال، فالولد غير المُطيع هو ولد عاق.. نعم فالمجتمع هنا يحكم من خلال نظّارات الطاعة وطاعة الوالدين مربوطة شرعًا بأمر ديني. لكنّ الإشكالية لا تكمن في الطاعة، بل في الطاعة العمياء! نعم فأنا لا أعتقد أن الدين السماوي يرضى بفرض ذلك.

فالطاعة العمياء تقتل في الدماغ مهارة التفكير النقدي. فمن يطيع بشكل ببغائي ودائم، يعتاد على كسل دماغه. فيستسهل الطاعة. عمل الدماغ ليس مُتعبًا كما يظنّ البعض، وهو ليس كسولاً بالحقيقة، ويمكنني هنا تشبيه الدماغ “بموتور” يعمل على المازوت، كلّ ما عَمِل أكثر، أصبح أكثر “حماوة” وأنتج أفضل وأكثر. وهكذا الدماغ.

اقرأ أيضا: التربية… والمُربي – ناجي سعيد

قد يظنّ البعض أنّي “أُخرّف” لو قلت أن الدماغ هو عضو غبي في جسم الإنسان. فعلى الرغم من أنه مركز الأوامر لباقي أعضاء الجسم، إلاّ أن “العادة” وتكرارها يقتلان عمل الدماغ المُتجدّد. فلقد قرأت في مرجع علمي، بأن الدماغ عضو يملكه الرأس، والعقل طاقة يُنتجها الإنسان. نعم ومن الطبيعي أن تضمحلّ الطاقة، في حال غياب عمل الدماغ. أي أن التفكير يغيب. وحين ينتفي التفكير، يفقد الإنسان تلقائيًّا مهارة التفكير النقدي. ويحلّ مكان هذه المهارة في الدماغ مهارة الطاعة، أو الأصح تسميتها “بلادة” فهي ليست مهارة.

فالبلادة تنتج عن قلّة العمل والكسل.وبالرغم من الصراع الأزلي للسيطرة على الإنسان الذي ما زال قائمًا بين اللاعبين الأساسيين في حياته: الدين والمجتمع، نجدهما يتّفقان على تمرير”الطاعة” على أنها فضيلة من فضائل التربية. وهذا التواطؤ بين المجتمع والدين لا يصب في مصلحة التربية القِيميَة. فالقيم لا يمكن أن تكون إيجابية وتُخرق بثغرات سلبية. القيمة إيجابية ولا يمكنها أن تتّسع لخرم إبرة سلبي. فلا يمكنني أن أحبّ شيئًا وأكرهه في الوقت عينه. إمّا أن أحبّه أو أكرهه.

ولكن.. كان الحديث عن الألقاب، ما علاقة هذا بالقيم الآن؟ حسنًا، حين تكون صادقًا لدرجة التصالح مع الذات، يكون من السهل عليك التواصل مع الآخرين دون حواجز. وقد أثبتت تجربتي في مهنة التعليم، أن الألقاب تعاكس المنهجية التي أؤمن بها وأعتمدها في هذا المجال. فقد غيّرت اسم المهنة من “تعليم” إلى “تعلّم” لإيماني بالمنهجية التفاعلية التشاركية. فلسنا في مسلسل “رُدّ قلبي” أو في مسرحية لعادل إمام (البيه بيه، والشغّال شغّال). لذا أقنعت الطلاب بأن ينادوني باسمي، دون أي عوائق وحواجز تفرضها تقاليد بالية.

اقرأ أيضا: أنا معصب كثير – ناجي سعيد

حيث كان الأستاذ المُتعلّم يُرسل إلى القرى النائية، فيكون أشبه براعي أبرشيّة أو مُخلّص يقدّم العلاج لوجع البطن الذي يصيب أي طفل فيرسل أهل الطفل إلى الأستاذ ليلعب دور طبيب. وفي يومٍ آخر يصبح خبير بتصليح “بابور الكاز” إذا تعطّل، فينقذ المرأة لتطهو الطعام قبل رجوع زوجها من العمل، فيتقذ الحياة الأسرية من التفكّك.(كانت حياة ذكورية).

اللقب إذًا، وبعد هذا السرد، هو انعكاس لمنظومة إجتماعية تُكرّس “أيديولوجيا” مجتمعية ودينية لا تخدم سوى مصلحة سلطة تسعى للسيطرة على التفكير الإبداعي التغييري. لا علاقة للألقاب بالإحترام، لكنّ الإحترام هو قناع يشبه “المكياج” التجميلي الذي تضعه المرأة على وجهها لإخفاء عيبٍ ما لا تُحب أن يراه الأخرون. لم تكن دعوتي للطلاب بالتخلّي عن لقب أستاذ هو تضليلهم ليغرقوا في نظام اجتماعي يفاجئهم حين يخرجون من الصفّ إلى المجتمع، لا بل كان رحلة خاضوها مع أنفسهم ليتعرّفوا أكثر بها، وليدرسوا كيفية تعاملهم بشكل سليم، وأقرب إلى الإنسانية، التي تضعف أمام ألقاب أيديولوجيّة تحجب الرؤية بوضوح. وقد قال جبران خليل جبران : “الأيديولوجيا كلوح زجاج يمنعنا من رؤية الأمور على حقيقتها”.

وأخيرًا، لقد اتبعت في نبذي لمفاهيم الألقاب، منهجية التعلّم التشاركي التفاعلي. فالتعلّم عملية تشاركية لا يكون محورها طرف (معلّم أو متعلّم)، بل يتبادل فيها الطرفان العلم. فالمعلومات هي الشيء الوحيد الذي يبقى بحوزتك حين تعطيه للآخرين عكس الأشياء الماديّة.

اقرأ أيضا: استخدام العقل.. معضلة البشر المُتعبة – ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع