الرئيسيةشخصيات سورية

عبد الرحمن الشهبندر .. اغتيال التنوير المستمر – حسان يونس

اغتيال الشهبندر لايزال جارياً.. وكل من يرتكب التحريض الطائفي والمذهبي هو أحد قاتليه

سناك سوري – حسان يونس

لقد كتب عن “عبد الرحمن الشهبندر” الكثير، ورغم ذلك يظل الرجل غير معروف بشكل يتناسب مع أهميته في تاريخنا المعاصر، وبعيداً عن الخطوط العامة لحياته السياسية والفكرية والنضالية، أعتقد أن أهم ما يميز الرجل أو يميز خاتمته أن اغتياله جاء كحلقة في سلسلة متصلة من حلقات اغتيال التنوير ومحاربة فكر النهضة في بلادنا المنكوبة بتخلفها عن النهضة السياسية والثقافية والعلمية، التي اجتازت عتباتها أغلب أقطار الأرض منذ مئتي إلى مئة عام، فيما لا تزال مجتمعاتنا منكوبة بالأصوليات الدينية، وبالتداخل المدمر للدين مع الدولة وبكون الإله ضمن نظامنا الاجتماعي ليس أكثر من ناخب أو أداة حكم وتحكم.

كان “الشهبندر” أحد أهم الرجالات الذين نشطوا خلال القرن الماضي في مسرح السياسة والثورة المسلحة والفكر والعمل المجتمعي لإضاءة شمعة التنوير، وإفساح المجال للمجتمع كي يمارس نشاطه بعيداً عن طغمة الكهنة والإقطاعيات المحافظة المنغلقة التي لا يعنيها إلا أن تظل حيث هي، من حيث السلطة والثروة مهما تغير العالم من حولها ومهما تخلّفت البلاد الرازحة تحت إقطاعها.

ولد عبد الرحمن الشهبندر في 1879 في دمشق القديمة، وكان من تلاميذ الأمير الشيخ “طاهر الجزائري” صاحب “حلقة دمشق الكبرى” التي كانت تنشط في مجال نقد السلطنة العثمانية والبحث عن الهوية العربية في مواجهة سياسات التتريك، وبحث خلال مسيرته عن هوية سورية العلمانية واستقلالها، وتعرض نتيجة ذلك للترغيب والترهيب والسجن والمحاكمة والنفي، لكنه لم ينحنِ ولم يلتف، وظل على مطالباته حتى اجتمع خصومه من الكهنة والإقطاع المحافظ المنغلق والمستعمر الخارجي، فأطلقوا الرصاص على رأسه من يد أحد الرعاع المغيبين بقشور الدين وهم ذات الرعاع الذين قتلوا في أماكن وأزمنة أخرى “أنطون سعادة” و”حسين مروة” و”مهدي عامل” و”فرج فودة” .

اقرأ أيضاً: الاحتلال والتطبيع.. البقاء المرهون بالتناقضات- حسان يونس

في مواجهة العثمانيين

بدأ نشاط الشهبندر في حارات دمشق وكان لا يزال حدثاً فقبض عليه وحوكم وصدر حكم بإعدامه، ولكن القاضي خفف العقوبة نتيجة عدم بلوغه سن الرشد، بعد أن كتب مقالاً في “المقطّم” المصرية ينتقد فيه السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، وبعد أن وجّهت إليه تهمة الاشتراك في تأليف رسالة موضوعها “الفقه والتصوف”، في العام 1908 عاد الشهبندر إلى “دمشق”  وكان أنهى دراسة الطب في “بيروت” في العام 1904 فتابع دعوة الانفصال عن العثمانيين، منتمياً إلى جمعية “الاتحاد والترقي”، حيث حاول الاستفادة من التناقض بين العثمانيين وبين القوميين الأتراك، لكنه ابتعد عنها سريعا نتيجة تطوّره الفكري، منتقلاً إلى التحالف مع الغرب، لاعباً على التناقض القائم ما بين العثمانيين والدول الغربية، ما اضطره للجوء إلى بغداد، هارباً من “جمال باشا السفاح” قائد الجيش العثماني الرابع، ومن بغداد انتقل إلى “الهند” ثم “مصر” و عاد إلى “دمشق” مع دخول الأمير فيصل وتنصيبه ملكاً على “سوريا” عام 1918.

في مواجهة الأمريكان والبريطانيين

عُرِف عن “الشهبندر” بأنه أحد السياسيين السوريين الذين حاولوا الاستفادة من النزاع الغربي العثماني بما يخدم مشروعه الوطني، فأعلن صراحة الدعوة إلى التعاون مع الإنكليز في الحرب العالمية الأولى ضد الجيش العثماني، كما عمل رئيس تحرير جريدة “الكوكب” التي أسّسها البريطانيون في مصر خلال لجوئه إليها قبل الحرب العالمية الأولى، ثم قدم استقالته منها بعد أن تبين له أنها واجهة إعلامية للبريطانيين، وهو موقف يقدم نموذجاً للمفكر الملتزم في مواجهة المفكرين والمثقفين المرتزقة الذين نراهم اليوم يتساقطون كالذباب على موائد وصحف وشاشات الدول الغربية والعربية.

اقرأ أيضاً: الاسكندر والشرق الأوسط الجديد .. حسان يونس

حاول “الشهبندر” الاستفادة من التناقض الحاصل بين العثمانيين والغرب قبل الحرب العالمية الأولى، كذلك حاول الاستفادة من الاختلافات الأوروبية الأمريكية، عندما شكل الرئيس الأميركي “ولسون” في العام 1919 لجنة تقصي من “الكونغرس” لمعرفة ما الذي يجب على “أميركا” فعله تجاه “سوريا” برئاسة “هنري كينغ” و “تشارلز كراين”، وبعد أن طافت اللجنة في مختلف مدن “بلاد الشام”، عاد المستر “كراين” في العام 1920 وطاف في “سوريا” لإعادة تقييم الرأي العام السوري واتجاهاته، وكان “الشهبندر” محورياً في كل ذلك، ثم وضعت اللجنة تقريراً جاء فيه أن الكثرة المطلقة من السوريين تطالب بدولة سوريّة مستقلة استقلالاً كاملاً، وترفض فكرة إنشاء وطن قومي لليهود في “فلسطين”، إلا أن تقرير “كراين” لم ينشر إلا عام 1922 نتيجة ضغوط فرنسية، بريطانية، صهيونية وسط لا مبالاة الرئيس الأمريكي “ولسون” الذي خضع للضغوط المذكورة.

في مواجهة الفرنسيين 

بدأت مواجهته مع الفرنسيين قبل دخولهم “دمشق” حين اجتمع مجلس الوزراء في تموز من العام 1920، مع الملك “فيصل” لمناقشة إنذار الجنرال “غورو”  وكان “الشهبندر” حينذاك وزيراً للخارجية، فكان الحوار الشهير بين “فيصل وشهبندر” الذي يعكس الحوار بين المدنية والانتماء إلى وطن والصحراء والانتماء إلى فراغ:

ـ الملك فيصل الأول ملك سوريا: «أنا أقول لك يا شهبندر أنا ابن رسول الله وسأوافق على شروط الجنرال غورو والقيادة الفرنسية».
ـ الدكتور عبد الرحمن الشهبندر وزير الخارجية: «وأنا أقول لك أنا ابن هذا البلد ولن أوافق على تسليمها لا لغورو ولا لغيره»،  وبعد دخول الفرنسيين “دمشق” غادرها الشهبندر لمدة عام ثم عاد إليها، وفي العام 1922، وبعدما أذيع تقرير “كراين” لاحق الفرنسيون “الشهبندر”، فألقوا القبض عليه، وحكموا عليه بالسجن عشرين عاماً، ونفي إلى بيت الدين “في لبنان”، ثم إلى جزيرة “أرواد”، وبعد سنتين أطلق سراحه، فسافر في رحلة طويلة إلى الغرب لإثارة القضية السورية.

عام 1925 أعلنت الثورة السورية الكبرى، فكان “الشهبندر” قائداً لها إلى جانب “سلطان باشا الأطرش”، حيث عمل مقاتلاً وطبيباً وسياسياً ومنسقاً مع الثوار في “الغوطة” وفي ريف “حماة”، وقام بتنسيق عدة محاولات لاقتحام “دمشق” ونقل نار الثورة إلى ريف “حماة” حسبما يورد في مذكراته، وعندما تمكن الفرنسيون من حصار الثورة عسكرياً في الجنوب انتقل “الشهبندر” إلى “الأردن”، ثم “العراق” و “مصر”  واستقر فيها عشر سنوات بعدما حكم عليه الفرنسيون بالإعدام.

وبعد توقيع معاهدة عام 1936 بين وفد الكتلة الوطنية والفرنسيين ألغيت أحكام الإعدام، فعاد عبد الرحمن الشهبندر إلى دمشق العام 1937، حيث قوبل باستقبال ضخم خرج فيه الآلاف لاستقباله، فعاد بروحه الثورية العقائدية المتمردة على كل المساومات والتنازلات يهاجم الاتفاقية التي فرطت بلواء إسكندرون في كل مكان، وطاف لأجل ذلك المدن السورية يندّد بالتفاوض مع الفرنسيين، ويدعو إلى كل أشكال الاحتجاج على الاحتلال، واستمرت روحه الوطنية العارمة تهدر في الساحات والمنابر أمام الآلاف ضد الاحتلال حتى وقعت جريمة اغتياله المشؤومة، بعدما أصبح يمثل حالة وطنية تهدد عدة أطراف داخلية وخارجية.

اقرأ أيضاً: الحصار عبر التاريخ.. بابل وتدمر نموذجاً- حسان يونس

اغتيل “الشهبندر” بتحريض من أحد مشايخ جمعية “الغراء” التي تخضع لنفوذ وتمويل رجالات الكتلة الوطنية “الشيخ مكي الكتاني وللمفارقة فهو من أصل مغربي أمازيغي”، واتهمت المحكمة الفرنسية بعض رجالات الكتلة الوطنية “لطفي الحفار، جميل مردم بك، سعدالله الجابري” باغتياله ثم عادت وبرأتهم، كما اتهم السياسي الوطني المعروف “أكرم الحوراني” في مذكراته رجالات الكتلة الوطنية بالتحريض على قتل “الشهبندر”، ودس بعض بعض المشايخ والرعاع لتنفيذ ذلك، ومن اللافت أن الأرشيف الفرنسي حول جريمة الاغتيال لم يكشف رغم مرور ما يقرب الثمانين عام، ما يدفع إلى التساؤل حول الدور الفرنسي في الجريمة.

إن الآلاف التي استقبلت الشهبندر في “دمشق” عند عودته من مصر 1937، والآلاف التي استمعت إلى خطبه خلال سنوات قبل اغتياله، اجتمعت يوم اغتياله وودعته إلى مثواه الأخير في جوار ضريح “صلاح الدين الأيوبي”، ولكن كم بقي من فكر “الشهبندر” بينهم، والآن بعد ثمانية عقود على ذلك الاغتيال، هل انتصر الشيخ “الكتاني” واغتال “الشهبندر” مرة أخرى وفرض فكره الظلامي في “دمشق الشهبندر”؟، إن “الشهبندر” الذي اغتيل عام 1940 لا يزال اغتياله جارياً وكل من يرتكب التحريض الطائفي والمذهبي هو أحد قاتليه، هل تستطيع “دمشق” التي لا تزال تحتضن ساحة باسم “الشهبندر” ومنزله في “دمشق القديمة – القيمرية” والذي بقي يحمل اسمه رغم انتقال ملكيته، وضريح “محي الدين ابن عربي”، هل تستطيع أن تكون عاصمة للظلامية وللاختلاط السفاحي بين الدين والسياسة ؟، ربما لا تزال صرخات “الشهبندر” ترفض ذلك !.

اقرأ أيضاً: سوريا وتاريخ من الغزو باسم الله – حسان يونس

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى