طلال شتوي لـ سناك سوري: شهيتي مفتوحة على الحب، وغادرت بيروت لأموت !!!

سناك سوري – حاوره عمرو مجدح

قطع وعداً لوالده أن يكون الأول دائما، فكان أصغر رئيس تحرير وهو في السنة الدراسية الثانية من كلية الإعلام لواحدة من أرقى وأعرق المجلات الأسبوعية اللبنانية ” الحسناء ” في زمن عج بالأسماء الكبيرة في عالم الصحافة.

ترك بصمات مهمة في الإذاعة نذكر منها برنامجاً كان من إخراج الراحلة ليال الرحباني ابنة عاصي الرحباني وفيروز ثم انتقل إلى التلفزيون ليحدث ثورة بعالم البرامج من خلال “الليل المفتوح ” وبعدها يختفي لسنين! ثم يعود كاتباً من طراز خاص استطاع أن يحصد المراكز الأولى في قائمة الأكثر مبيعا.

إنه الكاتب اللبناني “طلال شتوي” ضيف سناك سوري في هذا الحوار:

* في الصف الخامس الابتدائي اكتشف مدرسك موهبتك في الكتابة، وفي مرحلة لاحقة صرت تكتب في مجلّة المدرسة، كيف تكوّنت هذه الموهبة المبكرة؟

** لا أعرف فعلا كيف ومتى على نحو دقيق، كل ما أذكره، وبشكل ضبابي، أنّني وجدت في مرحلة مبكرة جدا من طفولتي متعة في القراءة إلى الحدّ الذي أنفق فيه مصروفي اليومي في شراء المجلات والكتب.

قرأت كل شيء، ما أفهمه وما لم أكن أفهمه، وما يناسب عمري وما لا يناسب عمري، والغريب أنّ هذه الميول لم تعرقل انخراطي في طفولة كاملة، ولاحقا في مراهقة كاملة، فأنا لعبت الورق وكرة القدم، وتعلّمت الرقص، وعشقت السينما، وفعلت كلّ ما يفعله الأطفال والمراهقون في جيلي، مع فارق أنّني كنت الوحيد بين أترابي من رفاق تلك الفترة الذي يلوذ آخر الليل في محارته مع الكتب.

التشجيع الأول لي كان من أستاذ لغة عربية لا يمكن أن أنساه، حين راح يمنحني أعلى الدرجات في مواضيع الإنشاء، ثم أوصاني بأنّ الأدب ليس زخرفة وتنميقات لغوية، وإنّما هو البساطة والعمق. إنّه جان هاشم طيّب الله ذكره.

لعلّ اكتشاف موهبتي إذا صحّ التعبير حصل بشكل غريب في المدرسة، حين اتهمني أستاذ اللغة العربية “جان وطفا” بأنّني لست أنا من يكتب مواضيع الإنشاء والفروض المنزلية، وعاقبني باعتبار أنّ ما أكتبه “ليس من فيض خيالي وسيلان ريشتي”، وهو التعبير الذي استعمله الأستاذ بشكل حرفي.

المفارقة أنّ هذا الأستاذ هو الذي سيكلِّفني بالكتابة في مجلة المدرسة “الكرمل”، وسيكون تعليقه وهو يقرأ ما يمكن اعتباره قصيدتي الأولى بأنّني أقرأ نزار قباني جيدا، وسأوافقه على ذلك، في حين كانت تلك المرة الأولى التي أسمع فيها باسم نزار قباني!

*  كنت تقرأ وتكتب سراً خوفا من والدك الذي كان يريدك أن تصبح طبيبا لا أديبا، على أي نحو تتخيل حياتك اليوم لو كنت حققت له تلك الأمنية ؟

** إنصافا لأبي، يجب أن أقول أنّه كان قارئا جيدا بالقدر الذي يمكن أن يكون عليه رجل يعمل في تجارة الألبسة ثم في استيرادها، وأخيرا في المقاولات وتجارة البناء. ولكنّ أبي كان لديه حلمه الخاص بأن أكون طبيبا، ولاحظ مبكرا أنّني متفوق في اللغات والآداب، وأقلقه الأمر، ومع الوقت صار يمتعض من كل شيء اسمه أدب وشعر، وصرت أرتعب من تفوّقي في الآداب على حساب المواد العلمية، ما جعلني أنفق الليل والنهار في تمتين نفسي في مادة الرياضيات، وكان هذا أشبه بالتضليل!

لا أنكر أنّ أبي أتلف مكتبتي مرتين، ورمى بكل كتبي ومجلاتي إلى حديقة مهجورة أسفل البيت، ولكنّه هو نفسه الذي سألني عن الهدية التي أريدها يوم نجاحي في البكالوريا العلمية، وطلبت مجموعة جبران خليل جبران، وجلبها لي، وكان يتمنى لو أنني طلبت سيارة مازدا رغب أن يشتريها لي، لكنني رفضت.

نعم، قرأت في السرّ، وعلى ضوء الشمعة أحيانا، ولكنّني لا أحمل لتلك الفترة مشاعر سلبية، لا بل أنا أتذكرها بكثير من الحنين.

من حظّي أنّ دراسة الطب كانت تفترض سفري إلى فرنسا، وهناك – وبعيدا عن الرقابة المباشرة لأبي، واعتمادا على عاطفته الأبوية تجاه ابن في الغربة- أقدمت على التمرد الكبير وهجرت الطب، ووضعت الجميع أمام الأمر الواقع!

لا مجال لمناقشة افتراض أنني صرت طبيبا، فأنا لا أصلح لهذه المهنة، بل أنا مريض سيّء، فكيف يمكن أن أكون طبيبا جيدا؟

* في استوديو الفن قدمت عن فئة الشعر والتقديم، لكنّهم في النهاية صنّفوك شاعرا وقالوا لك كل يوم نحصل على مقدِّم برامج، ولكن نحتاج إلى زمن لكي يولد شاعر، فلماذا تعتبر نفسك اليوم مجرد زائر على الشعر؟

يوقع كتابه “بعدك على بالي”

** هذا ما حصل فعلا في “استديو الفن”، حجبوا جائزة فئة التقديم للشبان، وألحقوني بفئة الشعر في التصفيات النهائية. يومها ادعيّت أنّني سعيد وفخور، لكنني ضمنيا كنت أريد خوض المنافسة عن فئة التقديم! كان عمري 17 سنة أو أقلّ، وكنت سأتسلّى وألهو أكثر في مجال التقديم، ولكن اللّجنة أرادتني شاعرا!

الزمن أصلح النتيجة، فأنا لم أصبح شاعرا، في حين قدّمت عدة برامج إذاعية وبرنامجا تلفزيونيا شهيراً.

صحيح أنني أصدرت مجموعتين شعريتين قبل نحو سنتين، لكنني قلت منذ البدء أنها نزوة، وأنني لست شاعرا، وأنّ زيارتي إلى الشعر انتهت.

الواقع أنا ببساطة مفتون ومسحور بالنثر، وتحديدا بالرواية والسردية، وأرى أنّ النثر يحتمل كل أشكال الكتابة بما فيها الشعر.

* بداية التسعينيات كانت فترتك الذهبية في التقديم، واستطعت من خلالها تغيير الشكل السائد للبرامج من خلال برنامج “الليل المفتوح”، ماذا بقى من تلك الليالي؟

** التجربة التلفزيونية في حياتي المهنية أتت صدفة، ولكنها صدفة قصيرة تركت بصمة لا تزال آثارها حتى اليوم.

“الليل المفتوح” أتى قبل انتشار الفضائيات بسنة واحدة ربما، وطرح شكلا جديدا للبرامج الحوارية وبرامج المنوعات.
كل شيء كان جديدا، الطريقة والأسلوب والإعداد والإخراج، وأعتقد أنّه آخر البرامج التلفزيونية العربية التي حققت نسب مشاهدة عالية فاقت في لبنان الثمانين بالمئة، وهو رقم قياسي.

أجمل ما في “الليل المفتوح” أنّه فتح الباب أمام عشرات البرامج التي أتت لاحقا!

كان برنامجاً غنيا جدا، لدرجة أنّ أكثر من عشرين برنامجا أعرفهم بالاسم قد خرجوا من رحمه، وهذا لا يزعجني، فأنا فخور بأنّني أحدثت التأثير الكبير خلال عبوري الخاطف في التلفزيون الذي بالكاد تجاوز 3 سنوات.

وتبقى من ليالي “الليل المفتوح” ذكريات التعب والنجاح والتوتر واللهو التي عاشها كل من شاركوا به.

* يسأل “سناك سوري” متى تعود إلى التلفزيون؟

** لن أعود الى التلفزيون. احتياطا أقول إنني قد أعود في حال حصلت على عرض مالي ضخم!

* لماذا قررت ترك الصحافة؟

** إنه سؤال أحتاج إلى كتاب للإجابة عنه!

ولكن سأعرض الأسباب الرئيسية باقتضاب.

أنا تركت الصحافة السياسية في عمر مبكر، وذهبت إلى الصحافة الاجتماعية والفنية. وخلال 10 سنوات تقريبا كنت قد أحرقت كل المراحل في هذا النوع من الصحافة، ولم أعد أشعر أن لديّ جديداً أقدّمه.

مللت! وكنت راغبا بترك المهنة قبل 5 سنوات من تركي الفعلي لها، لكن لم يكن لدي مورد عيش آخر، وكنت مطلوبا كرئيس تحرير، وقبلت بالعروض التي أتتني في دبي أولا ثمّ في بيروت، ولكنّي توقفت عن التوقيع باسمي! صارت المهنة بالنسبة لي مصدرا للعيش، ولم يمنع ذلك من أنني تسلّيت بابتكار أشياء جديدة ونوعية في المجلّات التي تسلّمت رئاسة تحريرها.

أتت إصابتي بمرض صعب في عام 2000 لكي تمنحني التحرّر من المهنة نهائيا، وحتى بعد شفائي والحمدلله، لم أرغب بالعودة اليها.

لا بدّ هنا من القول أن تركي للمهنة في ذلك التوقيت كان لمصلحتي، فالمهنة دخلت طور الانهيار، ولا تزال تواصل انهياراتها.

* بعمر 14 فازت قصتك بالمرتبة الأولى في مجلة “ريما “، يومها لم تذهب لاستلام الجائزة، واليوم كتبك تحصد المراكز الأولى والأكثر مبيعا، فهل تعتبر أنّ هذه هي جائزتك التي لم تستلمها حينها ؟

** فعليا أنا لم أذهب لاستلام الجائزة المالية عن قصتي الفائزة، لكن الجوائز المعنوية كانت أهم في ذلك العمر.

نلت عدة جوائز في حياتي، من بينها جائزة سعيد فريحة للصحافيين المتفوقين، كما نلت جوائز التفوّق كلّها خلال 4 سنوات في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية، لكن الجائزة التي لم أستلمها في عمر الرابعة عشرة كانت وتبقى أروع جوائزي.

أما بالنسبة إلى تحقيق كتبي أرقام مبيعات عالية وتصدّرها المراتب الأولى في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، فالأمر كان مفاجأة كبرى لي، فأنا كنت راجعا من غياب دام 12 سنة في ما يشبه العزلة، لدرجة أنّ كثيرين اعتقدوا أنني لست على قيد الحياة، أو أنني هاجرت مثلا! مهما قلت عن هذه المفاجأة فلن أجد الكلمات التي تعبّر عمّا عشته من مشاعر! أنا مدين لكل هؤلاء الذين لا أعرفهم في هذا العالم، الذين استقبلوني بكل هذا الحب الذي لا يمكن للمرء أن يفكر لحظة واحدة بالتخلّي عنه، ولذلك توالت كتبي سنة بعد سنة، وانفتحت شهيتي على المزيد من الحب!

* هناك سؤال راود من قرأ “بعدك على بالي “، ألم تكن في حياة طلال شتوي قصة حبّ تستحق أن تُخلد بين دفتي كتاب؟

** وهو سؤال مشروع، والحقيقة أن قصص الحب لا تحتمل البوح الذي اعتمدته في “بعدك على بالي”، وإذا كان لا بدّ من أن تتحوّل إلى عمل كتابي، فمكانها الرواية المتخيلة، والتي غالبا تلامس الواقع الحقيقي، ولكن بالشكل الآمن الذي يحمي خصوصيات الجميع.

* زمن زياد – قديش كان في ناس –  بين التوثيق والرواية، كيف اخترت أبطالك؟

** كعادتي لا أختار أبطالي أو شخصيات كتبي وفق خطة محددة، ويمكن القول إنني تركتهم يأتون إلى الكتاب بشكل عفوي. كنت أريد إضافة شخصية خليجية وشخصية تونسية وشخصية سورية ثانية، ولكن ظروف إنتاج الكتاب لم تسمح بذلك.

ربما كان شرطي الوحيد وأنا أختار شخصيات “زمن زياد”، هو البعد نهائيا عن أصدقائه الشخصيين والذين عملوا معه أو تربطهم به علاقات وثيقة.

* يسأل “سناك سوري” لماذا زمن زياد ؟

** لأسباب كثيرة، أكتفي بذكر سبب واحد منها، وهو أنّ زمن زياد الرحباني الذي قدّمه الكتاب هو زمن الحالمين الكبار، جيل الجنون والحلم، والخيبة والهزيمة والمقاومة والقيامة من الموت. زمن زياد في كتابي هو زمن بيروت الفلسطينية والناصرية والقضايا القومية، وأفكار الزمن الغابر حول الحرية والحق بالفرح. زمن زياد هو للقول إنّه زمن يستحق أن نناضل لاسترجاعه…

* بيروت، المدينة الحلم، حبيبة وملهمة الشعراء، كيف كانت علاقتك بها ولماذا هجرتها؟

** بيروت هي بيروت، فاتنة ومتوحشة وحنونة، وقادرة على إغوائك طوال العمر، وأنا أحببتها من أول نظرة، ومن أول دمعة، ومن أول قذيفة، ومن أول خفقة قلب، ومن آخر الخيبات! منحتني بيروت كل إثارتها، وكل ما أشتهيه من عقل وجنون.

خاصمتها مع انتهاء الحرب وبدء السلام قبل أن نكتشف جميعا أن لا شيء انتهى ولا شيء بدأ، وصالحتها حين ابتعدت عنها لسنتين في دبي.

ثم هجرتها لكي أموت في مسقط رأسي، لكنني لم أمت! وأخطط اليوم للعودة اليها.

* كابن جيل عايش الحرب الأهلية اللبنانية، وكان شاهدًا على سرقتها للأمان والأحلام والأرواح، كيف تنظر لتلك الكوابيس وهي تسكن سورية اليوم؟ وكيف الخلاص؟

** دعني أقول لك شيئا لا تتوقعه، ولم أكن أنا لأتوقعه يوما!

في ذروة الحروب اللبنانية التي هي محنة بكل المقاييس، كنا نشعر بالخطر والخوف، ولكن لم نفقد أبدا الأمل والإحساس العميق بالأمان، لسبب وحيد لم نكن ندركه آنذاك، وهو أنّ سوريا بخير… سوريا عمقنا الجغرافي والتاريخي والإنساني والحضاري والعائلي بخير… وكان هذا يكفي لكي لا ننهار كأفراد.

حين دخلت سوريا في جحيمها الحالي الذي خططوه لها بمهارة وخبث وكراهية، أحسست شخصيا لأول مرة بفقدان الأمان. أعتقد أنّ هذه خصوصية لبنانية وفلسطينية تجاه سوريا.

ومع ذلك، أنا لا أخاف على سوريا، ولا يخامرني أيّ شك في قدرتها على الخلاص…

* غنت فيروز كثيرا لدمشق وسورية، وكانت بداياتها في الإذاعة السورية، وهناك حكايات بينك والشام وفيروز… احكِ لي!

** ذات مساء بعيد، وكنت صغيرا في الثالثة عشرة من عمري، اصطحبني أبناء عمتي في نزهة إلى قاسيون، وخلال الطريق كانت “اللعبة” هي وضع شريط كاسيت لفيروز، على أن يختار كل شخص رقم الأغنية قبل أن يعرف ما هي! استغربت هذه اللعبة التي يستمتع بها أبناء عمتي، لكنني لعبت، وكانت أغنيتي “دخلك يا طير الوروار”.

ثم، في أعالي قاسيون لم أسمع سوى صوت فيروز… في المقاهي، من السيارات المركونة على طرف الجبل، يحدّق الجالسون فيها في المدينة المشعّة بأضوائها، على عربات الذرة المشوية والفول النابت، في كل مكان كانت فيروز وحدها.

وفي آخر الليل، وكنت سأنام تلك الليلة في بيت خالتي في ساحة العباسيين، أمضينا السهرة على الشرفة المطلّة على الساحة، وكان صوت فيروز يصل إلينا من كل الشرفات، ومن السيارات العابرة بسرعة خاطفة.

في صيف تلك السنة سأنجح في التحايل على الكبار وأرافقهم على مضض إلى حفلة فيروز في معرض دمشق الدولي، تلك الحفلة التي أطلقت فيها لأول مرة أغنية “بحبك يا لبنان”، وأبكت السوريين قبل اللبنانيين.

ما أريد قوله، هو أنّ فيروز ارتبطت في ذاكرتي بدمشق، ولاحقا سرعان ما سأكتشف أنّ العلاقة بين صوت فيروز ودمشق عميقة واستثنائية، وحين يصدح في دمشق، يكون كما شعب يجلس في قاع حضارته.

* يسأل قراء “سناك سوري” ما جديدك ؟

** عملي الجديد هو رواية مشتركة بيني وبين الشاعرة النرويجية من أصول لبنانية فاطمة برجي.

لن أذيع الآن اسم الرواية، ولكن هي تستوفي أهم شرط أضعه لكي أكتب وأنشر، فهي جديدة شكلا وأسلوبا وتقنيات.

وهي رواية جميلة، لكن رأيي ليس مهما، إذ أنّ الحُكم الحقيقي يكون للقرّاء.

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *