صباح الخير أيها الموتى… حدائق حلب وساحاتها تحتضن رفات أبنائها

مقابر حدائق حلب - إنترنت

عن الحرب التي حولت حدائق وساحات اللعب إلى مقابر..

سناك سوري – خاص 

“صباح الخير أيها الموتى” رددت همساً هذه الكلمات ورأسي يكاد يلتصق بنافذة “السيرفيس” المزدحم بنا وأمام عيناي تلك الحدائق والمساحات الخضراء التي حولتها الحرب إلى مقابر وفي لحظات تعود بي الذاكرة إلى زيارتي الأولى لمدينتي “حلب” 2013 في عز أزمتها وتأثري الشديد وقتها بالمقابر التي تغزو المدينة وتجعلها كأنها مدينة للموتى وتساءلت حينها هل سيأتي يوم وتنقل الرفات إلى أماكنها في المقابر المرخص بالدفن فيها.

ما تزال ذكرى تلك الليالي المجنونة المحمولة بالقذائف والمليئة برصاص القناصة وقطع الطرقات تلاحق في كل حين أبناء المدينة وكأنهم أبطال رواية ما أو فيلم أجنبي، تصورت مرة أن أحداثه مبالغ فيها وهم يحملون جثث أحبائهم خلسه ليدفنوهم في أقرب ساحات فارغة حتى بات عددهم يقارب 5000 ضريح بين حدائق وساحات المساجد والمنازل وأثناء زياراتي المتتاليه للمدينة بعد تحريرها 2016 كنت أتابع عودة الحياة ونقل القبور وإعادة تشجير الحدائق وأبرزها حديقة منطقة المعري.

اقرأ أيضاً: بعد 3 سنوات من إعادة توحيد المدينة.. ماذا تغيّر في “حلب”؟

أفاجأ أنا العائد للاستقرار في المدينة أن هناك المزيد من الحدائق والمقابر العشوائية في المناطق الشعبية أراها كل صباح في طريقي، تراءى لي لمرات عديدة أنني الوحيد الذي يراها أعيد التحديق في الشواهد المحطمة تبحث عيناي عبثا عن إكليل ورد هنا أوهناك وددت أن أوقف “الحافلة” للحظة لأحفظ أسمائهم وأعرف أعمارهم وتفاصيل حكاياتهم، أطالع الوجوه بجانبي تكاد تكون لا مبالاة بما حولها تتبادر لرأسي أسئلة هل هو اعتياد على المنظر أم هروب منه أم تراها الحرب التي حرصت أن يموت فينا كل يوم شيء لتلحقها الأزمات الاقتصادية وتساوينا مع أخوة تحت التراب.

مع كل صباح كنا نتجاوز فيه طوابير البشر الأحياء الواقفين أمام “الكازية” بانتظار “البنزين” وآخرون يهرولون فرحين بعد خروجهم من معركة الحصول على ربطة خبز يستوقفني شيء جديد، فالمقابر على جانبينا وفي الحقيقة أننا نمشي بينها بينما تحاول مخيلتي تشكيل ملامح وقصص سكانها، استغربت وجود حاوية قمامة بجانب الأضرحة كما أن هنالك مدرسة لطلبة المرحلة الابتدائية ومع حركة الحافلة تلفتني تلك البناية التي تجلس على شرفتها سيدة عجوز بملابسها السوداء وهي ترتشف قهوتها أقول لنفسي كم تبدو حزينة.. هل لديها قريب هناك تفتح نوافذها مع شروق الشمس لتطل عليه؟ تلقي عليه السلام وتسامره، تشرب القهوة معه، تطمئن أنه نائم؟ أم أنها كلما فتحت الشباك لتعلن الفرح عاد المنظر ليذكرها بحزنها الذي لم يغادرها.

اقرا أيضاً: دور شرعي على محطات وقود بحلب.. واحد للرجال والتاني للسيدات

تتصاعد أصوات الموسيقى في “الباص” اليوم كان هنالك أولاد يلعبون فوق المقابر التي كانت سابقاً ساحات للعب قبل أن تحولها الحرب لساحات للموت وتذكرت كيف كان للموت هيبة في طفولتي وكيف كنا نقرأ السلام لساكنيها ونخشى أن ندعس أحدها بالخطأ ونعتذر عما بدر منا..

تتوقف الحافلة بينما المخيلة ما تزال نشطة تستحضر كل تلك الصور التي التقطتها وتحلم بلمسه حنان على تلك القلوب التي أثقلها الحزن وبعودة الحياة للحواري العشوائية والمهملة التي يفتح أهلها مع الصباح صناديق الأحزان كما تلك الأم الحزينة التي قيل عنها أنها تنثر الماء في كل يوم على قبر ابنتها في حديقة المنزل.

اقرأ أيضاً: “أم عدنان” دفنت ابنها حيث كان يلعب.. حدائق “دير الزور” مدافن الحرب

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع